المسرح التّعبيري.. تعالق مكوّنات العمل كافّة للتّعبير عن الحالة النّفسيّة والاجتماعيّة للشّخصيّة المسرحية
2021.08.03
ندى دوارة - خاص فينكس:
نشأ التيّار التّعبيري في ألمانيا حوالى 1910، واستمدّ العناصر الأولى لإبداع أعماله الفنّية والأدبيّة من الحالات النّفسيّة المختلفة، والذّات الإنسانيّة بكلّ ما فيها من مشاعر وتناقضات وصراعات تعبّر عن تكامل الإنسان الذي يؤمنون به.
وبناء على ذلك، فقد كان للمسرح أهميّة كبيرة لديهم؛ لأنّه يستطيع أن يجسّد تكامل الإنسان عندهم، وذلك من خلال تكامل أدواته المتنوّعة لعرض الصّورة النّهائيّة للعمل المسرحيّ؛ فالكلمات بمفردها، أو الممثلين لوحدهم، أو الألوان فقط، أو الموسيقى دون غيرها من العناصر، لا تستطيع أن تعبّر عن كيان الإنسان المتكامل، بيد أن المسرح الّذي تتكامل فيه الفنون عامّة يستطيع أن يجسّد ذلك؛ إذ يستخدم الفنّ المعماريّ، والنّحت في بناء ديكور العمل، و يستخدم الموسيقا والألوان، الإضاءة والرقص في إضفاء الجوّ الخاصّ المناسب للعمل، إضافة إلى لغة الجسد عند الممثلين، وانفعالاتهم، وحركاتهم مستفيدين من علم النفس، وعلم اللّغة في جعل الكلمات والجمل تنّضح بالحالة التّعبيريّة والانفعاليّة المرادة من العمل، فيخرجون بذلك عن الحوار التّقليدي المطنب كأداة وحيدة للتّعبير في العمل، ويعتمدون حواراً يعطي مساحة أكبر للتّعبير عن الآراء الذّاتيّة، و الأهواء النّفسيّة من خلال استناده إلى المونولوج في حديث الشّخصيّة مع نفسها، أو وجود الأقنعة مع التّركيز على وجود العناصر الأخرى آنفة الذّكر لتكثيف عرض الأفكار المرادة، والقيم المبتغاة بعيداً عن الحديث الطّويل، والعناصر التّقليديّة الّتي لا تؤدّي دوراً في العمل.
على سبيل المثال الكلمة التي تستخدم في بناء النصّ المسرحي عند التّعبيريين عليها أن تحمل معنىً جديداً يضيف الحقيقة الشّعوريّة المراد التّعبير عنها في المشهد الّذي ألقيت فيه وإلّا يجب ألّا تقال، فليس كلّ قول في التيّار التّعبيري فنّا، وإنما عليه أن يسهم في إغناء الناحية الدرامية في العمل الذي تقدم فيه؛ فالجملة نتيجة حدث وينتج عنها حدث، وتربط بذلك بين أعماق الذات الإنسانية والواقع الخارجي؛ فيتجلى الكمال الإنساني من خلال تكامل هذين الجانبين الذي يتحكم أولهما في الآخر، ويبنى عليه صلات الإنسان بالمجتمع والطبيعة والأشياء من خلال تأثيره بمنظومة القيم التي يقوّم وفقها الأمور ويحاكمها، وإن لم تكن اللغة تخدم هذا المنحى فعليها أن تترك التّعبير لأدوات أخرى كالموسيقى والإضاءة؛ لهذا نجد في المسرح التّعبيريّ وجوداً حقيقياً للصّمت كأداة لتجسيد حالة معيّنة ونقل أفكار جديدة.
في المسرح التعبيري تمّ الاستغناء عن العقدة التّقليدية، واستبدالها بمشاهد تعبّر عن مراحل تطور الشخصيات؛ فنجد في العروض تقنيات مختلفة عن السّرد المتتالي، تقديم مشهد، وتأخير آخر حقّه التّقديم، للوصول إلى الهدف الّذي يسعون إليه؛ وهو تعالق مكوّنات العمل كافّة للتّعبير عن الحالة النّفسيّة والاجتماعيّة للشّخصيّة الرّئيسة، وتصوير تطوّر هذه الحالة في مراحل مختلفة من حياتها.
شخصيات المسرح التعبير هي التي تعبّر عن أنماط معيّنة، فالعمل التعبيري برأيهم عليه أن يعبّر عن كل إنسان قد يمرّ بالحالة المجسّمة، وأن ينقل الحالة الشّعوريّة المعيشة في الحدث، لذلك فقد افتقرت الشخصيات عندهم لأسماء صريحة، واكتفت بصفات عامة من مثل الرجل، المرأة، المدير وغيرها، وكثيراً ما كانت هذه الشخصيّة هي الشخص الغريب الذي يعاني كثيرا من العذابات ليصل إلى الخلاص النفسي ومن ثمّ الاجتماعي، أمّا الشّخصيّات الأخرى في المسرحيّة؛ فهي مجرّد تجسيد لصراعات البطل النفسيّة، وليس لها وجود منفرد محدّد، ولذلك فقد وظفوا نتائج الدّراسات النّفسيّة في أعمالهم، كي يوضّحوا أسباب اتّخاذ القرارات، والحالات الانفعاليّة الّتي تقع فيها الشخصية الرئيسة.
ويكون تقديم هذه الشخصيات تقديماً ذاتيّاً وليس موضوعيّاً، ولكنّها ذاتيّة تعي الواقع الاجتماعي وحوادثه والخلفية النفسية له، فيعبّرون عن الحالة الاجتماعيّة من خلال التكوين العاطفي الذي تشكله في المشاعر الذاتية، ويتجسد في البناء الدرامي للعمل، فإن قدّموا موضوعات تعبر عن الصراع بين الخير والشر في عمل ما، فإنهم يعبرون عن الصراع في نفس الشخصيات أي بينها وبين ذاتها، بين أهوائها وقيمها، بين أحلامها وواقعها، ولذلك فإنّهم يعتمدون في تقديم هذه الموضوعات على الصدق التّعبيري البعيد عن التصوير الدقيق أو المحاكاة، وإنما الصّدق الذي ينضح بالذاتية التي قد تصل إلى تشويه الواقع أو المبالغة في عرض الجزئيات، أو دمج الواقع بالخيال بطريقة تنضح بالغرابة أحياناً أو حتّى بالقبح، ليعبروا بها عن الحالة النفسية التي يراد عرضها في العمل منتصرين في ذلك كله لإيمانهم بالإنسان وقدرته على إحياء الأمور، والوصول بها إلى غايته المرادة من خلال المواجهة مع الحياة و المجتمع بمواجهته لذاته نفسها، أي ينتصرون للأمل بتوكيد الإنسان لنفسه، وتحقيق غايته رغم الصّعوبات والعقبات الدّاخلية والخارجية.
من أعلام التعبيرية في المسرح الألماني (فرانك دكند) في مسرحية (اليقظة المبكرة)، و (سترندرج) في مسرحية (لحن الاشباح)، وكذلك الأمريكي (أوجين أونيل) في مسرحية (الأمبراطور جونز)، و(والتر هانز) في مسرحية (الابن) ومسرحية (الناس)؛ وكذلك (ارنست تولر) في (التحول) وغيرهم الكثير.