كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

(تشالما.. الطريق و الذكريات).. نزار طربوش يقتحم عالم الأدب بلباس الميدان

يحيى زيدو- خاص فينكس:

بلباس الميدان الكامل، و بقلم قُدَّ من غصن سنديان على عجل، يقتحم "نزار طربوش" عالم الرواية كوعلٍ بريٍّ بريئاً من المذاهب الأدبية و نظريات النقد، متخلياً عن فذلكات اللغة، و حذلقات علوم السيمياء و الدلالة و اللسانيات.

أعتقد أن مجرد التفكير في كتابة رواية يحتاج إلى شجاعةٍ كبيرةٍ، وكتابتها تحتاج شجاعة أكبر، فكيف إذا كانت الرواية تتناول وقائع يوميات الحرب على الجبهة بقلم جندي شارك فيها على غير توقع منه؟!يحيى زيدو n 

في رواية نزار طربوش (تشالما.. الطريق و الذكريات)، الحائزة على جائزة حنا مينة للرواية-المركز الثالث للعام 2019، نحن أمام عمل ينتمي إلى ما يسمى "أدب الحرب" بجدارة. هذا النوع من الأدب الذي يُطلق على الأعمال الأدبية التي تُكتب في، أو عن، الحروب لبيان آثار و مخاطر الحرب على الإنسان و المجتمع، بصرف النظر عما إذا كان العمل الأدبي واقعياً توثيقياً أو تخيُّلياً.

ربما نختلف في قراءة وتقويم الكثير من الأعمال الروائية التي تناولت الحرب السورية، لكن الروايات التي كتبها أشخاص شاركوا في أعمال هذه الحرب من موقع القتال كانت قليلة نسبياً، و الحقيقة أن معظم الروايات التي تناولت الحرب السورية كانت سماعية، و ربما تخيُّلية. من هنا تكتسب رواية (تشالما..) أهميتها باعتبارها شهادةً حيَّةً على وقائع تبدو حقيقية.

(تشالما..) هي رواية السيرة الذاتية، لكن الصدفة هي ما جعل الشخصي فيها يتقاطع مع العام، إنها رواية ذلك الطفل المشاغب ببراءة في بيئة ريفية عذراء، تماهى مع طبيعتها حتى غدا جزءاً منها، فامتزجت أحلامه و تخيُّلاته مع جبالها و سهولها و وديانها و أنهارها و أشجارها، و ضاقت عليه جدران المدرسة التي كانت سجناً لروحه أكثر مما كانت مكاناً لاكتساب العلم.

 المصادفة التي ربما غيرت حياته بشكل كامل، كانت استدعاءه للتحقيق من قبل جهة أمنية عن علاقته بخاله (اسماعيل) الشيوعي المطلوب، الذي سيسافر في بعثةٍ علميةٍ إلى روسيا فيما بعد. لحظات التحقيق مع طالب الصف العاشر، و السادية التي مارسها المحقق بحق ذلك اليافع الذي كان يعتقد أن "الشيوعية" هي امرأة على علاقة مع خاله، كانت السبب الذي جعله يهرب من قريته إلى دمشق تاركاً خلفه كل شيء، بعد أن سرق من محفظة شقيقته أجرة الطريق.

 وفي دمشق سيختبر حياة أخرى بعد أن يلتحق متطوعاً بوحدة عسكرية من وحدات النخبة ليقضي بقية حياته باللباس العسكري. و من المفارقات التي يرصدها الكاتب في روايته، أن الصدفة ستجمع ذلك اليافع، الذي صار عسكرياً، بكل من خاله إسماعيل الشيوعي (عدو الله) و المحقق الذي اعتقد نفسه أنه (الله)، حين يراهما بلباس رّجلَي دينٍ في تشييع أحد رفاقه الشهداء، و هما يؤديان الطقوس الدينية التقليدية في مثل هذه الحالات، ليستنتج أن الأزمة أفرزت شخصيات قادرة على أن تبقى في قلب المشهد تميل حيث تميل الريح، و تكسب دائماً دون اعتبار لقيمة أو مبدأ.

لا يتوقف الكاتب كثيراً عند تفاصيل حياته الاجتماعية والعسكرية قبل الحرب، لكنه يركز على أنه تدرَّب و تعلم بأن عدوه الرئيس، و ربما الوحيد، هو إسرائيل. كان عدوه باتجاه الجنوب دائماً، لكن مصادفة الأحداث في سورية جعلته يلاقي العدو في الشمال.. في جبال اللاذقية، حيث يقود من هناك جماعة عسكرية من المشاة شاركت في المعارك لتحرير بعض قرى ريف اللاذقية (كسب- السمرا_ جبل تشالما..) و "النقطة 45" التي كانت واحدة من أهم المعارك التي خاضها مع جماعته.

يوثق الكاتب يوميات الفترة التي قضاها في الحرب ملتقطاً التفاصيل الصغيرة و مفردات الحياة اليومية لجنود مقيمين في الجبال؛ في  الحفر و الخيم  و بين الأشجار.. يموتون و يعيشون مراتٍ في اليوم، يصف بدقة العوالم الداخلية المتأتية من لحظات الترقب و الانتظار.. لحظات الخيبة و الفشل.. و كذلك لحظات التقدم و الانتصار.

و لعل مشهد لقاء بطل الرواية مع ذلك الإرهابي الذي أتى من  إقليم الإيغور في الصين لـ"يحرر القدس"، بعد أن زرعوا في رأسه فكرة أن طريق القدس يمر من اللاذقية، يوثق ببراعة لحظات الخوف التي يعيشها هذا الإرهابي قبيل مقتله، بعد تخليصه سلاحه، ليدين بذلك قوانين الحرب العادلة- الظالمة في آن، تلك القوانين التي جعلته يقتل إنساناً في وقتٍ امتنع فيه عن قتل أرنب مع أنه كان جائعاً.

لا يغفل الكاتب عن ملاحظة تفاوت الرفاهية لدى الجماعات المسلحة، هذا التفاوت الذي سيكون أول ما يلفت نظره عند اقتحام ما سمي "فيللا الإماراتي" في جبال اللاذقية، حيث تبدت مظاهر الثراء و البذخ  لقادة الجماعات المسلحة في مقابل حياة التوحش التي يعيشها المسلحون الذين أتوا من أربع رياح الأرض، بعد أن تم غسل أدمغتهم و تخزينها بصورٍ لحورياتٍ مفترضةٍ في جنَّةٍ افتراضية رسمتها مخيلةٌ اغتصابيةٌ. و لا يغفل الكاتب الحديث عن تجارة الأعضاء البشرية التي كانت تتم في مشافٍ ميدانية أقامتها الجماعات المسلحة في مناطق سيطرتها. تشالما _ كسب الساحرة... - السياحة في سورية & Tourism in Syria | Facebook

لا تخلو الرواية من عيوب الكتابة الأولى، و لعل من أهم ما يمكن التوقف عنده في هذا السياق، هي الكتابة بضمير المتكلم، الأمر الذي منع التطور الطبيعي لشخصيات الرواية، و حجب إمكانية أن تعبِّر تلك الشخصيات عن نفسها، و بالتالي يصبح السؤال مشروعاً عن واقعية تلك الشخصيات، و هل هي شخصيات حقيقية أم أنها من نتاج خيال الكاتب؟ و لعل التركيز في الكتابة على ضمير المتكلم ( أنا-قلت- قمت- جلست..) قد جعلته يغفل عن ذكر اسم بطل الرواية، و على مدى 328 صفحة لا نجد اسم بطل الرواية، و ربما يكون الكاتب قد أغفل ذلك لأنه ركز على فكرة "المصير" الذي يتشابه مع  مصائر كثيرين غيره في هذه الحرب.

الزمن في الرواية مستقيم باتجاه واحد، و قليلاً ما نعثر على تشابك لحظات زمانية، و ربما كان الإسهاب و الاسترسال في السرد قد جعل "التناص"، أو التداخل، بين حكايتين غير موفق في الغالب.

و ربما كانت الخطابية أو العبارات المباشرة، التي بدت و كأنها مأخوذة من نشرة الأخبار، هي ما أضعف الرواية كثيراً، فلا مراء أن يتقاطع خطاب ابن المؤسسة العسكرية مع الخطاب الرسمي الإعلامي و السياسي، لكن في الأدب فإن الصيغة التقريرية المباشرة و الأحكام الجاهزة، سواء كانت صحيحة أم لا، تفقد العمل الأدبي جزءاً أساسياً من حيويته و قيمته و قابليته للحياة.

على أن ما يعطي لرواية (تشالما) الكثير من المصداقية هو ذلك التداعي العفوي للسرد و للشخصيات التي انوجدت في البيئة السردية، و خاصة بطل الرواية، الذي لم يقدمه على أنه "ملاك" جاء يحرر أرضاً كما نقرأ في رومانسيات الواقعية الاشتراكية، بل بشر من لحم و دم لديه من الأخطاء ما يجعله إنساناً بحق.

غالباً ما أتردد في الكتابة عن الأعمال الحاصلة على جوائز أدبية، لأن معيار الكتابة من أجل الجوائز أو الكتابة وفق مقتضيات الجائزة، في الغالب، لا يكون للقيمة الفنية للعمل الأدبي بل لمعيار الجائزة. و إذا أخذنا رواية (تشالما) من حيث البيئة السردية، و جماليات السرد و تقنيات الكتابة، لربما يمكن القول بأنها لا تستحق جائزة أدبية، فلا تجريب فيها و لا تجديد، لكن إذا كان الاعتبار هو الموقف السياسي و البعد الإنساني في الرواية فإن الرواية تستحق الجائزة، خاصةً و أنها جائزة صادرة عن جهةٍ رسميةٍ لها معاييرها الخاصة، إضافة إلى القيم الجمالية و الفنية التي تتعدد وجهات النظر فيها.

و من المستغرب أن رواية (تشالما.. الطريق و الذكريات) لم تتم مقاربتها بصرياً، تلفزيونياً أو سينمائياً، فهي باعتقادي، نص قابل للمقاربة البصرية أسوة بكثير من الأعمال التي تم إنجازها حتى الآن، خاصة و أن كاتبها جندي قبل أن يكون روائياً نرجو أن نقرأ له الجديد المتميز دائماً.

 

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني