إذا أتاكم حديث الملح..
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
بين المأثورين العربيّين المعروفين "الكذب ملح الرجال" و "خان الخبز والملح اللّي بيناتنا" و الشّعار الثوري الحديث "ساتياغراها" الذي ألهبَ مشاعر الهنود في عموم البلاد، وحرّضهم على المطالبة بالاستقلال عن الإمبراطوريّة البريطانيّة العظمى، التي لا تغيب عنها الشّمس، ثمّة مسافة ثقافيّة وارفة الظلال يغفو فوق وسادتها تاريخ فسيفسائي عجيب، يحفُّ بهذه المادّة البيضاء، من جميع الجهات. فأنّ يتمّ التّأكيد بأنّ الكذب هو معدن الرّجال، كالملح الذي هو من كنوز الطبيعة ومعادنها الثّمينة، فهذا يعني أنّنا أمام مفردتين لغويّتين باذختي الدلالة "معنويّاً وماديّاً" متوازيتين من حيث المكانة والفعل والتأثير، في الذاكرة التّاريخيّة والحاضر. وكي يحوز الملح، على هذه المرتبة المائزة، بحيث يغدو وثيقة تربط بين طرفين، لا يمكن خيانتها أبداً، فهذا يعني، أنّنا أمام حالة سيميائيّة عالية تخطّتْ معنى تأثيرها المباشر إلى فضاءات أرحب، خصوصاً، إذا كان أحد هذين الطرفين هو المقدّس ذاته. وهذا ما نجده مدوّناً في أسفار العبرانيّين.
نقرأ في سفر المدونات التّوراتي هذا القول: إنّ "إله إسرائيل أعطى تلك المملكة لداوود، ولأبنائه من بعده، وإلى الأبد، بميثاق الملح". هذا وتعتقد ثقافات وأعراف معيّنة بما فيها الثقافة الإسلاميّة، بأنّ الملح يكتنز طاقة إيجابيّة كبيرة، لذلك كان يُرَشُّ في أطراف وزوايا المنزل، كتميمة لطردَ الشّر منه. و للملح فوائد صّحيّة كبيرة، للجهازين التّنفسي والهضمي، وهو المتشكّل من تفاعل "الصّوديوم" مع غاز"الكلورين" السّام. فمن دون الصوديوم، الذي لا يستطيع الجسم توليده، لا نستطيع الاستفادة من الأوكسجين ولا تنتقل الشّارات العصبيّة، ولا يتمّ تحريك العضلات، بما في ذلك عضلة القلب. كما وأثبتً الملح أنّه يقوم بدور رشيق في خلق الفكاهة أيضاً، تقول قصّة فولكلورية فرنسيّة أنّ أميرة أعلنت لأبيها الملك أنّها تحبّه كالملح. لكنّ الأبَ الذي لم يستسغْ طعم هذا الحبّ المملّح، أمر بإلقائها خارج مملكته. ولاحقاً، حين ُحرمتْ مملكته من الملح، أدرك مدى محبّة ابنته له. أمّا في بعض مناطق السويد، فكان ذلك الطعام المملّح يسمّى "ثريد الحلم" وتقضي العادات أن تأكله الفتاة، من دون أيّ شراب، قبل ذهابها إلى النّوم، لكي ترى عريسها المقبل في الحلم، وهو يهبها الماء لترتوي به. وللأسف لم تتوافر لدينا إحصاءات دقيقة عن عدد الفتيات اللواتي وفّقنَ في استخدام هذا النظام للبحث عن العرسان.
في مؤلفه الشهير "ثروة الأمم" 1776م أشار المفكر الإقتصادي "آدم سميث" إلى أنّ أي شيء له قيمة ما يصلح ليكون نقوداً، وأعطى أمثلة على ذلك "التبغ، السكر، سمك القدّ المجفّف، والمواشي" كما لاحظ أنّ: "الملح شكّل أداة أساسيّة للتجارة والتبادل عند الآشوريين".
هكذا شكّل الملح لآلاف السنين رمزاً للثروة، و احتفظ به التّجار في جزر الكاريبي في مخابئ تحت منازلهم وفرضت الحكومات الصينية و الفرنسية و الفيتنامية، الضرائب عليه لتمويل الحروب. وأحياناً كانت تُدفَع رواتب الجند ملحاً. و كثيراً ما استخدمَ نقوداً للتّداول.
لكن المدهش بالأمر هو أنّ هذه المادّة البيضاء، التي ضاهتْ قيمتها يوماً، الذّهب الأصفر والأسود، أصبحتْ رمزاً وشعاراً للثورةٍ أيضاً "ثورة الهند". التي تمكّنت من كسر احتكار بريطانيا العظمى له، وتحقيق الاستقلال في أربعينيّات القرن الماضي.
ولدلالة الملح الأرستقراطيّة الثمينة ،كانت الموائد الملكيّة الفرنسيّة في القرون الوسطى وعصر النهضة تزيّن بممالح ضخمة على هيئة سفن. كإشارة رمزيّة للّصحّة والمعافاة. حيث كانت صحّة الحاكم تشكّل ضماناً لاستقرار وتوازن الأمّة.
قوّة الملح = قوة الحقيقة:
التزم "غاندي" قائد ثورة الملح، سياسة اللّاعنف، ملخّصاً منهجه بأنّه يهدف لـ "تجريد الخصم من الخطأ" وقد اتّخذ شعاراً لحركته الشّعبيّة هو "ساتيا غراها" وتعني قوة الحقيقة. ولقّب بالمهاتما = الروح العظيمة، وهي تسمية أطلقها عليه شاعر الهند الكبير "طاغور" حيث قال عنه: "روح عظيمة في إهاب شحّاذ". في عام 1930 م خرج "غاندي" ذو الأعوام الـ "62" في مقدّمة المسيرة، يتوكّأ على عصاه، مع 78 من معاونيه، واعتزموا بدء مسيرة على الأقدام، لمسافة 520 كلم للوصول إلى البحر عند "داندي" ليكسروا احتكار الملح من قبل بريطانيا. وساروا تحت سماء تنزّ حرارة، وتقطر لهباً، حتّى تقرّحتْ أقدامهم. وبعد مسيرة 25 يوماً من المشي وصلوا إلى هدفهم المنشود، وكانوا آلافاً مؤلّفة، وبينهم نخبة من المثقفين والفقراء والنساء، بمن فيهنّ زوجات أثرياء المدن الهنديّة. أثناء اللّيل ترأّس المهاتما غاندي الصّلاة بقومه. ومع خيوط الفجر قادهم للتطهّر بماء البحر. ثمّ خرج إلى حيث تراكمت قشرة من الملح تكوّنت بفعل التبخّر، وانحنى ليلتقط قبضة من تلك القشرة، كاسراً بذلك، رمزيّة قانون الحظر البريطاني، إلى غير رجعة. ليهتف أحد الحجّاج مبتهجاً : "يحيا المخلص".
بعد أسبوعٍ من وصوله الاحتفالي إلى داندي، عمّتْ حركته الوطنيّة كلّ البلاد. ورفدتها جموع الأساتذة والطلاب والفلاحين. و تمّ تغطّية هذا الحراك من قبل الصّحف الغربية كلّها. وقد أرسل غاندي رسالة إلى اللّورد "بايرون"، يحتجّ فيها على عنف البوليس مستهلّاً إيّاها كالعادة، بعبارة "الصديق العزيز" معلناً عزمه على تنظيم مسيرات إلى ورش الملح الحكوميّة، والاستيلاء عليها باسم الشعب. فأرسلتْ بريطانية وحدات خاصّة إلى قرية "داندي" لتنقضّ على القائد أثناء نومه تحت شجرة وتعتقله. وكان ذلك بمثابة القشّة التي قصمتْ ظهر البعير. حيث حذّرت صحيفة مانشستر غارديان الحكومة البريطانية من مغبّة هذا الاعتقال ورأت بأنّه، سيؤدّي لإشعال الهند كلها. وفعلاً تفجّرت الهند غضباً، بينما قائد ثورتها الصّامت في سجنه يقضي وقته بغزل القطن، وسجن أثناء ذلك 100 ألف محتج. واستمرّتْ كرة الملح بالتّدحرج والذّوبان. حينها حاولت الحكومة التفاوض مع المسجونين، فاحتج "تشرشل" هازئاً بمجريات الأمور، بقوله :"إنّ حكومة الهند سجنتْ غاندي.ثمّ وقفتْ عند باب زنزانته ترجوه مساعدتها على تخطّي الصعاب". عام 1931م وقع اللّورد " إيرون" معاهدة مع غاندي، أنهت حملة الملح، وسُمحَ للهنود القاطنين على الساحل باستخراجه لأغراضهم الشخصية. و أطلق سراح القادة المسجونين. وأوقف العصيان المدني. فاقترح "إيرون" ختم المعاهدة بحفل لشرب الشاي، فقال غاندي إنّ شايه سيكون ماء وليموناً وقليلاً من الملح. هكذا خرج غاندي من المواجهة منتصراً، وصار حزبه، حزب المؤتمر الهندي، التّنظيم الرئيس لحركة استقلال الهند. لتنال الهند استقلالها عام 1947م. وليكافأ المهاتما باغتياله بعد ذلك بخمسة أشهر. كان القاتلُ هندوسيّاَ متعصّباً، فسّر ميل غاندي إلى السلم مع المسلمين بأنّه جزء من خطّة ترمي لتسويدهم على البلاد. ليخلفه الزّعيم "نهرو" الذي سُئلَ يوماً، كيف ترتسم صورة المهاتما غاندي في ذهنه، فقال: إنّه يفكّر به دائماً باعتباره ذاك العجوز الحائل اللون المتوكّئ على عصا، والذي قاد الجموع إلى ساحل داندي.