كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نوبل و العرب.. من الأب البيولوجي إلى الأب الجيولوجي

يحيى زيدو- خاص فينكس:

أعلنت الأكاديمية السويدية للعلوم منح جائزة "نوبل" للآداب هذا العام للأديب التنزاني "عبد الرزاق غورباه" ليكون الأديب الأفريقي الخامس الذي يحصل على نوبل بعد "نادين غوردمير" و "جون ماكسويل" من جنوب أفريقيا، و "نجيب محفوظ" من مصر، و النيجيري "وول سوينكا".

مالنا وما لسوينكا و الذين حصلوا على الجائزة من أفريقيا، فالجائزة هذا العام عربية، والعرب لم يخرجوا من مولد "نوبل" بلا حمُّص، كما يقال. فبعد البحث والتدقيق و التمحيص تبين أن "غورباه" هو من أصول عربية، وأن اسمه عبد الرزاق سالم قرنح، ولد في عائلة (آل قرنح) العربية بمنطقة الديس الشرقية في حضرموت باليمن، ثم هاجر أهله إلى زنجبار في تنزانيا نتيجة تعرض العائلة للاضطهاد الذي قد يكون متأتياً من بعض اليمنيين المدمنين على تعاطي "القات".

العرب الذين تسابقوا لإثبات الأصول العربية لـ "غورباه"، لم يسمعوا به سابقاً، و أكاد أجزم أن عربياً واحداً لم يقرأ له حرفاً، فهو لم يُترجم إلى العربية بعد، في حدود ما أعتقد، و إن كان بعضهم قد سمع به كعضو في لجان تحكيم جوائز البوكر و غيرها من الجوائز التي تمنحها دول الخليج. لكن الأمر الذي يجب أن لا نتجاهله هو أن جائزة "نوبل" قد مُنحت للغة التي كتب بها "غورباه"، أي اللغة الانكليزية، قبل أن تمنح لأدبه، كما قال الشاعر و الناقد محمد عضيمة. و لو بقي جيلاً بكامله يكتب بلغته الأم السواحلية لما كان أحد سمع به.

المهم أن "غورباه"، ابن العرب، أصبح اليوم أديباً عالمياً على سن ورمح بشهادة ألفريد نوبل شخصياً، و من واجبنا الاحتفاء به لأسباب قبلية و عشائرية و عائلية و قومية وحزبية و سياسية، فكل ما يأتي من الغرب خير و لذلك تشدد العرب في تطبيق الحديث الشريف: ".. و اغتربوا" أي اتجهوا غرباً، و بعد أقل من شهرين سنجد كتب الأخ "غورباه" مترجمة في واجهة المكتبات، بطبعات حقيقية و مزيفة، وسيختلف المترجمون في كتابة اسمه؛ هل سيبقون على (غورباه) أم سيترجمون الاسم إلى (قرنح).. ليس مهماً هذا الأمر، المهم أن دور النشر ستكسب من ورائه ذهباً.

البحث عن الأب البيولوجي هو دأب النسَّابين العرب منذ قرون، فالنسب هو مصدر الفخر والجاه و السلطة و الثروة، و التفاخر بالأنساب ما زال خصلة من أسوأ ما ورثناه عن السلف الصالح أو الطالح على السواء.

المهم هو الأب البيولوجي، حتى لو تنكر له الابن، فالولد للفراش في السرديات الدينية التراثية. يقال: وُلدَ فلانٌ في مضر، أو أزد، أو ربيعة.. أي أنه ولد في قبيلة أو عشيرة، يُنسب إليها المولود سواء كانت القبيلة في رحلة الصيف أم في رحلة الشتاء، أي في الشام أم في الحجاز، فالنسب دائماً يكون للقبيلة لا للأرض التي ولد فيها، ولذلك بقي ولاء العرب للقبيلة أقوى من الولاء للأرض، وبعد انتشار الدين الإسلامي صار الإنتماء للعقيدة الدينية أهم من الإنتماء للوطن. "الولد للفراش" يعني أن الولد للقبيلة، فالفراش في النهاية هو فراش القبيلة و العشيرة وربما العقيدة، وكل انتماء آخر محض افتراء و كفر يجب التبرؤ منه.

من هنا فإن على "غورباه" أن يعلن بلسان صريح أنه عربي قبل أن تُحجب عنه نعمة النسب وكثير من مال الخليج، كما حصل مع "ستيف جوبز" الذي اكتشف العرب أصوله السورية بعد أن اصبح شريكاً للأمريكي "بيل غيتس" في مايكروسوفت. ومع أن "جوبز" أنكر أبيه البيولوجي و إن اعترف أنه من صلبه، فإن السوريين لم يتوقفوا عن التفاخر بأن "ستيف" هو ترجمة "صطيف" الذي هو ترخيم لاسم "مصطفى"، وأن "ستيف ليس إلا "مصطفى الجندلي" من جب الجندلي بمدينة حمص، لدرجة أن البعض أعتقد أنه، مع صطيف، صار شريكاً لبيل غيتس في مايكروسوفت، ولن يتحدث بعد اليوم إلا عبر آخر نسخة من هاتف الآيفون.

دأبُ العربِ في البحث عن الأنساب للمشاهير أصبح بمثابة الوسواس القهري لهم، فإذا فشلوا في إثبات الأب البيولوجي فإنهم يذهبون للبحث عن الأب الجيولوجي، فيحفرون في طبقات اللغة و النسب حتى يجدوا الأصل العربي للشخص المقصود، هكذا فعلوا مع "شكسبير" فصار لديهم "الشيخ إسبر"، وهكذا رأوا "تشيخوف"؛ فهو "الشيخ عوف" الذي نسيه العرب المسلمون وهم يفرُّون باتجاه سمرقند.

البحث عن الأب الجيولوجي أسهل بكثير من البحث عن الأب الانطولوجي أو الغنوزيولوجي أو حتى الإبستمولوجي الذي لا يتأتى منه سوى وجع الرأس، و نحن نحب راحة البال وعدم التفكير.

باعتقادي أن نَسْبَ "غورباه" إلى موريتانيا أكثر منطقية من نسبه إلى اليمن، فاللقب- الكنية (غورباه) أقرب إلى وزن لقب- كنية (ولد باه) الواسعة الانتشار في موريتانيا، خاصة وأن (الباه) هو الشغل الشاغل للعرب منذ نشأتهم، و لولا (الباه) ما غزت قبيلة ولا فُتحت بلاد.

ما علينا.. الأخ "عبد الرزاق غورباه- قرنح" صار عالمياً، و لأنه كان مضطهداً فقد حصل على الجائزة، و العرب مضظهدون لذلك لا يخرجون من مولد الجوائز بلا حمُّص، حتى لو كانت الجائزة للطقم الذي يلبسه الشخص، كما حصل مع المطرب اللبناني "سامي كلارك" حين شارك في مهرجان عالمي للموسيقا، فحصد جائزة ليس على غنائه بل على طقم السموكينغ الذي يرتديه.

لكن ماذا لو كان الفائز بجائزة نوبل هو المبدع السوري "أدونيس"؟

الأعراب أنفسهم الذين تباروا في إثبات الأصل العربي لـ "غورباه"، هم أنفسهم الذين كانوا سينسفون الأصل العربي لأدونيس، فهو ليس عربياً بل سوري يحمل الجنسية اللبنانية، بالتالي هو فينيقي وليس عربياً، كما أنه ينتمي إلى حظيرة دينية كافرة، وهو يحب المتنبي و التوحيدي و النفري أكثر من الصحابة والتابعين، ويعمل على إحلال الشعر مكان الدين كما فعل في "الثابت و المتحول"، وهذا فكر صهيوني تغريبي معادٍ للعرب و التراث و للإسلام و المسيحية على السواء، بالتالي لا بد من تكفيره وهدر دمه بعد إثبات "لا عروبته". خاصة وأن كثيرين يحضِّرون مقالاتهم في هذا الإطار منذ ما يزيد عن عشرين عاماً بانتظار ان يعلن فوز "أدونيس" بجائزة نوبل كي يبثوا أحقادهم القبلية العشائرية الجاهلية ضده.

لذلك لا يسعنا إلا أن نهنئ مبدعنا الكبير "أدونيس" على سلامته من جائزة "نوبل" هذا العام و كل عام، لأنه أكبر من الجائزة أساساً، وهو نفسه صرح منذ سنوات بأن نوبل لا تعنيه فهو معني فقط بإبداعه متمنياً على كل مبدع أن يهتم بإنتاجه الفكري لا بالجوائز التي هي شأن من يمنحها في النهاية.

و في هذا السياق أيضا، نهنئ الأديب السوري "سليم بركات" بنجاته من "نوبل"، فإنه لو فاز فلن يكون عربياً بل كردياً انفصالياً خائناً، و أما الأكراد فسيعتبرونه منشقاً لأنه لم يحمل القضية الكردية كأمانة، ولم يقاتل مع p. K. K، و لم يمدح "قسد" و "مسد"، ولم يكتب تغريبة البارزاني ولا الطالباني في اعماله الأدبية حتى الآن.

لو كانت أمة العرب تحترم نفسها لكانت أنشأت جائزة أهم من جائزة نوبل تحمل اسم "أدونيس" بدل تلك الجوائز التي يمنحها الشيخ شخبوط و الشيخ خربوط والأمير جحيشان.

بالمناسبة لقد رفض الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس" جائزة الشيخ زايد على الرغم من قيمتها المادية الكبيرة لأنها لا تحمل قيمة فكرية، فيما ينبطح مثقفو العرب تحت شواريخ أبناء زايد من أجل حفنة من المال.

أما الأخ "الفريد نوبل" فلا نملك إلا أن نقول له:

إننا نرث ما أنتجت، فقد أصبح استخدام الديناميت القنابل في حياتنا اليومية مثل استخدام الغرب لكرات التنس في الملاعب.

في الشر نحن نرثكم.. في العقل نحن مستقيلون

بس هيك

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني