هوية ثقافية وطنية جامعة
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:
مهما تشتد التحديات، وتحلك الظروف، وتسوء الأوقات، وتحيق الملمات بالأوطان، لكنَّ ثمة أمراً عصياً على الامحاء، غير قابل للاندثار، تأتي عليه الطوفانات الكبرى والصغرى عبر التاريخ، لكنه باق، هوية جامعة لا تمحوها الأيام، ولا تعدوها الأدهار...
إنها ذاكرة الشعوب، التي تتشكل من الحياة المشتركة، والتي تعجن بالبيئة، وتختلط بالأمكنة، وتمتزج عبر كل الأطياف بعاداتها وتقاليدها وعيشها المشترك، حنينها وحزنها فخرها وانكسارها عزها وصمودها اجتماعها وتهجيرها والنقاط العلامة الفارقة الكبرى في تاريخها لتشكل هذه الهوية الوطنية الثقافية الجامعة، التي مهما أتت عليها عاديات الأيام فلن تزيدها إلا رسوخاً في الضمائر والذواكر والوجدان بل وانبعاثاً أثناء الأزمات والنائبات...
انتابني هذا الشعور، وأنا أهمُّ بكتابة وتكوين ملامح فكرة المقال الأسبوعي هذا، حيث وقعتُ على كتاب لملحمة كردية سورية "مم زين"، باتت سيرة شعبية كغيرها من السير الشعبية للشعوب الكثيرة، وحيث لا أزال على مقربة من حضوري لنشاط أدبي ثقافي منوع استضاف فرقة شعبية سورية كردية، كما وقعت بين يدي قصص وروايات كثيرة للتراث الآشوري السوري، حيث لا يزال اللسان السوري المحلي "القامشلي والحسكة وريفها" يتداول أهم مفرداتها والتي نطلب ممن يذكرها أمامنا على سبيل الذكرى أن يذكر لنا مرادفها بالسورية العربية الحالية، كما يحدث لي حينما أتجول في مختلف بقاع سوريا مثلاً لأرى الرقصة الخاصة بمنطقة حوران، والأهازيج المميزة للساحل السوري، والعتابا والأغاني الشعبية في المنطقة الوسطى، وعتابا سهل الغاب تحديداً، جميعاً وحين التدقيق في منشئها، كما فعل العديد من الباحثين في التراث الشعبي السوري في العقود الأخيرة قبل الأزمة، لنرى كيف يحتضن هذا الجزء اللامادي من التراث آمال وأحلام وتاريخ وذواكر أحداث كثيرة ومشتركات أكثر اختصت بها ومرت بها كل منطقة فانطبعت في الأهازيج والأغاني والرقصات والحواريات والمحليات الكثيرة التي ما إن اهتممنا بتوثيقها وجمعها وابتعاثها على فترة من الفترات حتى تستيقظ الذاكرة الجمعية الوطنية بكل مشتركاتها الثقافية لتدلنا على الوطن الكبير من خلال سكانه وجغرافيته...
والحقيقة أنها في العمق لا تختلف كثيراً موضوعاتها، عن الحب والحنين والهجرة والبعاد والفراق والبطل الأسطوري الشعبي وملاحم الأبطال الذي وقفوا ضد الطغيان والغزو والاستعمار بمختلف تجلياته، بالوقت نفسه كثيراً ما نجد اللون الأميز لكل منطقة على حدة، حيث سادت أغنيات وعتابا عن "بو علي شاهين"، في مناطق مصياف والساحل السوري، كما لا زالت الذكرة تردد أهازيج راجت خلال الثورة ضد المستعمر الفرنسي والتي كانت محرضاً للمجاهدين في ليالي الثورة الحالكات، وحادياً لهم في أرض المعركة، كما لا تزال أغاني أيام السفر برلك تثير الحزن لدى وداع الأحبة الشباب حالما يذهبون لمعارك المصير...
لا تزال التغريبة الفلسطينية تهز الوجدان والمشاعر، لا تزال الأغنية الوطنية الفلسطينية تجسد وتمجد وتخلد الواقعة المشرفة لسوق الأبطال إلى أرض الإعدام "محمد جمجوم، عطا الزير، فؤاد حجازي" حتى باتت من التراث... والأغاني التي يرددها أهلنا في فلسطين وتحضرني أغنية "لوين ع رام الله..." التي تثير مشاعر الفراق والتهجير والنوى والبعاد...
الزمان ارتبط بالمكان وكلاهما ارتبطا في الذاكرة والضمير بأحداث بعينها مصيرية فارقة يعتد بها لدى إنجاز ما يوثق للذاكرة الجمعية والثقافة الوطنية والهوية العامة لشعب ما أو منطقة من المناطق، ومن هنا أجزم بأن شعوبنا عصية على الامحاء والتشتت والتفرق مهما لعبت أيادي الغدر والشر والعدوان فلا بد من أن تنتصر هذه الإرادة الثقافية الجمعية المشتركة على كل مسببات الفرقة والتفريق والتشتيت...
هذه من أهم الأولويات الثقافية الوطنية، وتحديداً أثناء وبعد هذه الحرب المدمرة العجيبة التي تعرضت لها سوريانا العزيزة، العزيزة بأبنائها الذين قضوا ويقضون لأجلها، العزيزة بأبنائها وبناتها الذين سطروا ويسطرون ملاحمها وملامحها الخالدة مدى الأزمان.