كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"جان جينيه": خنصر أصغر فدائي يشغل حيّزاً أكثر من أوروبا بأكملها

أوس أحمد أسعد- فينكس:

   سيادة الملازم "علي" هي رّتبة شرفيّة واسم حركيّ أطلقهما الفدائيّون على "جان جينيه" وقد مُنِحَ معهما تصريح مرور موقّع من مكتب عرفات شخصيّاً، يخوّله الانتقال بين مواقع جميع الفصائل والمجموعات المقاومة، وفي مجمل جولاته في المنطقة العربية عموماً. وهذا يذكّرنا بالرتبة الشرفيّة التي نالها أيضاً، المغنّي السياسي والملحّن السوري الفنّان "عصام الخطيب" الذي نال كما قيل رتبة "نقيب" شرف في ثمانينيّات القرن الماضي،حين كان في صفوف المقاومة. وهو الذي حوّل قصيدة "محمود درويش.. لأجمل ضفّة أمشي" إلى ملحمة غنائيّة جعلتْ الشاعر الكبير يلغي اجتماعاً مع "ياسر عرفات" ليسمعها أكثر من مرّة كما قِيل.أسير عاشق by Jean Genet

أمّا "الملازم علي ـ جان جينيه" الشخصيّة الثقافيّة العالمية الغنيّة عن التعريف. فقد عُرف بانحيازه لقضايا تحرّر الشّعوب، وانشغاله بالقضية الفلسطينية وكفاح الشّعب الفلسطيني، لذلك نراه هنا يتتبّع صيرورة هذا الكفاح من المنبع حتى المصبّ. وهو الذي عاش في المخيّمات الفلسطينيّة، بين المقاتلين لشهور. في "عجلون ـ الأردن" وهاهو يدوّن ذكرياته ومشاهداته في كتابه الممتع "أسير عاشق" من موقع المفكّر المقاوم، الذي يقرأ طبيعة القضية في حيثيّاتها أوّلاً، ثمّ بمقارنتها بحركات عالميّة تشبهها كحركة "الفهود السود" في أمريكا التي كان يناصرها أيضاً. رادّاً معطيات هذا الحراك الثوري، إلى مجمل الظروف الذاتية والموضوعيّة التي أنتجته على مستوى المنطقة والعالم.

هذا الكتاب ذي الصّبغة الأدبيّة والبعد المعرفي الذي ترجمة "كاظم جهاد" بتكليف من منظّمة اليونيسكو، وإصدار "دار شرقيّات ـ مصر" يعكس مجمل تحليلات "جينيه" الثقافيّة والسياسية والنفسيّة، مغلّفة بأسلوبٍ معرفيّ رصين امتازت به كتاباته عموماً. يغوص فيه عميقاً في الطبقات الجوانيّة محاولاً استكشاف طبيعة الوعي الفلسطيني المقاوم خصوصاً، والوعي العربي عموماً، الذي يشكّل المحيط الأوسع للقضية الفلسطينية جغرافياً وانتماءً إسلامياً، ومن ثمّ يضع رؤيته هذه ضمن البوتقة الإنسانيّة ككلّ. استهداءً بمبدأ اختطّه لنفسه يقول : "القراءة بين الأسطر فنّ أفقي، وبين الكلمات فنّ عمودي". وهاهو ينتقد بشفافيّة عادة صوتيّة شرقيّة أثناء زيارته لأحد المخيّمات، فيقول : "لم نسمع سوى صخب رشف الشّفاه للشاي الحارق، رشفات قويّة تبدو للإنجليزي نوعاً من قلّة الأدب، لكن وقعها جميل في اللّحى والرمال ".

أهميّة الكتاب تأتي بالإضافة لكونه يعكس رؤية غربيّة موضوعيّة مناصرة للقضيّة الفلسطينيّة، كذلك هو شهادة للتاريخ لمثقف كبير بحجم جينيه. وهو ينتمي إلى ذاك الصّنف من الثقافة التي تؤرشف الذاكرة المهدورة، لما فيه من إضاءات والتماعات ذهنيّة تفيد الأجيال القادمة، يقول: (بعد مجزرتي صبرا وشاتيلا في أيلول 1982م طلب إليّ بعض الفلسطينيين أن أكتب مذكراتي: قل بدقّة ما رأيت وما سمعت. حاول أن تقول لمَ بقيت هذه الفترة الطويلة معنا. لم جئتَ بصورة عرضيّة إذا جاز هذا القول. جئت لثمانية أيّام، ثمّ مكثتَ عامين ؟ . بدأت بتحرير هذا الكتاب في آب 1983م عائداً بكاملي إلى السبعينيّات، آنئذٍ عرفت عذوبة ألا أعود مقيماً في فرنسا. كانت بعيدة وضامرة جدّاً.وكان خنصر أصغر فدائي يشغل حيّزاً أكبر من أوروبا بكاملها، وفرنسا ذكرى بعيدة من صباي) .

يقول المترجم " في مقدّمته:( لئن تميّز هذا الكتاب أولاً بالنقد الحادّ، الذي لا يوفّر حتى القيادة الفلسطينية، بقوله: "أودّ الاعتقاد بالفعل بأنه كان دائماً بين المسؤولين أسماك قرش، ما كانت تختطف الطائرات بل أموال المقاومة والفلسطينيين، وكان أبسط الناس يقدّمون لي أسماء وبراهين ويُبدون احتقارهم للعناصر المحيطة بعرفات " فإنّ ثمة فرحاً أيضاً يعصف بالكتاب من بدئه حتى منتهاه. وكما طرح المفكر الرّاحل " فيليكس غواتاري" في دراسة له ظهرت، فور صدور الكتاب في "مجلّة الدراسات الفلسطينيّة/ الطبعة الفرنسيّة، يظل ممكناً دائماً قراءة هذا الكتاب الشّاسع باعتباره عملاً متعدّد الأصوات أي "بولفونيّاً " بالمعنى الذي منحه الناقد الروسي "ميخائيل باختين" لهذه المفردة عمل لا يفرض فيه أسلوب الروائي والمسافر صوته وحده وأفكاره، بل يدعك، ومن هنا فرادة الكتاب وطبيعته الاستثنائيّة، ترى إلى مصائر الآخرين وتسمع أصواتهم وذلك حتى في الإيماءة الخفيّة، ما لا يكاد يُرى أحياناً، وفي الكلام الموشوش، بل الصامت، مالا يكاد يُسمع والذي يظلّ مع ذلك يهدر بقوّة).

وهاهي إحدى التماعاته الذكيّة بخصوص الفبركة والضّخ الإعلامي الهائل الذي اتّسمت به الدعاية الصهيونيّة في ستينيّات القرن الماضي والتي تمكنت فيها إسرائيل من هزيمة القيادات العربية مجتمعة في حرب 1967م صوريّاً وواقعيّاً، والتي تذكّرنا بالغزو الأمريكي للعراق 2003م الذي بدأ إعلاميّاً من خلال الشاشات وانتهى على أرض الواقع بمدّة وجيزة باحتلال العراق. أو بالحرب العالمية على سورية التي شحذت فيها كل ما كينات العالم الإعلامية لإسقاط المجتمع السوري وإجهاض الوعي وحرقه حتى لا تقوم له قائمة حتى زمنٍ طويل،من خلال سيناريوهات بصريّة مثّلتْ في الغرف المغلقة وأخرجتْ هوليوديّاً بشكل مبهر، والتي تهدف لإجهاض الرأي العام وإقناعه بلا جدوى المقاومة .يقول "جينيه": ( لقد قيل لي إن إسرائيل في 1967م هيّأت أولاً، ثمّ صوّرت و "منتجت" هزيمة مصر، وفي اليوم السايع عرضتها على تلفازات العالم التي استلمتها في الأوان نفسه مع يقين انتصار إسرائيل على العرب. ثمّ فجأة توفي عبد الناصر وطغى بهاء تشييع جثمانه على موته. كان المهد أو الطابة أو، إذا شئتم التابوت، يتمايل، يرقص، يكاد يطير فوق الرؤوس البادية عليها أمارات الغضب(...) أشاوس مصر احتفظوا لأنفسهم بالتابوت).جان جينيه في طنجة: كاتب لايكتب! | القدس العربي

لم يكن الفلسطينيون المعروفون كثيراً أو قليلاً تحت اسم اللاجئين ليشكلوا في 1970م 1971م حتى مادة للحلم، بل كانوا يجدون أنفسهم ببساطة ، ممثلين في الإعلانات السنوية التي تقدمها "وكالة الغوث" إلى كتلة من البشر في المخيمات. ما كان شخص واحد فيها معروفاً . كان على العالم أن يسمع من جديد كلمة عتيقة كانت قد اختفت من القواميس السياسية "فلسطين" ربّما كان الفلسطينيون الفوضويّون والأحرار ظاهريّاً، منذ 1966م قد أرّقوا هذا الوعي السياسي أو ذاك‘إلا أنهم ظلّوا ، لزمن طويل جدّاً، محلوماً بهم أكثر من مفكّراً بهم.

ختاماً، دعونا نستشهد بهذا المقبوس الجميل الذي يوضّح فيه مفارقات الوعي المقاوم المغلّف بالأعراف والتقاليد السميكة التي يراها "جينيه" تنطبق على العنصر الفلسطيني العادي كما على قادته، يقول:( تزوّج أحد المسؤولين، ودعيت مع الكثيرين، لا إلى الزفاف، وإنّما إلى حفلة الغداء التي تلته. وكان العريس قد قبل دعوة عشاء، حضرته مع بعض الفدائيين وقد جاؤوا بزيّهم المدنيّ:

ـ أستجعل من امرأتك ممرّضة ؟

ـ أبداً، لقد تزوجتها عذراء

ـ وهل تصرّ على الاحتفاظ بها عذراء؟

ضحكنا قليلاً، إلّا أنّ محيّا العريس بقي ناشفاً، جامداً

ـ أريد زواجاً حقيقيّاً. لن تصبح زوجتي ممرضة

ـ هل لديك شيء ضدّ الممرضات؟

ـ كلا ، هنّ أجنبيّات. امرأتي مسلمة.

كانت المزحة عتيقة جدّاً، ولكن قيلتْ من جديد.

" ينبغي الوثوق بالصحراء حتى نستعيد فيها ينابيعنا "

لكني أتساءل إذا لم يكن ينبغي إكمال هذا القول المأثور العجيب كما يلي: " فلنعلّم ماركس أسباب الثورة الصناعيّة، في انجلترا ومرارتها، ولننتظر أن تحفظ الصّحراء ينابيعنا".

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني