"الحب والحرب" فيلم وثائقي من لحم ودم و روح
تمّام علي بركات - خاص فينكس:
ثلاث حكايات سورية، كُسرت فيها رقبة الحرب دون سلاح، يقدمها المخرج "وليم عبد الله" في الفيلم الوثائقي "الحب والحرب" والذي عرض مؤخرا في المركز الثقافي العربي – أبو رمانة-ضمن فعاليات النادي السينمائي.
الفيلم الذي تم تصويره على مراحل عدة، يحقق في سرده البصري الواقعي، واحداً من أهم المعطيات الإنسانية التي تخلخل اتزانها الحروب القاسية عادة، فما تمزقه القسوة، لا يحيك نسيجه إلا الحب في أرقى أشكاله، وأكثرها تعقيداً أيضا، وهذا ما سوف يقدمه "الحب والحرب" بعيدا عن "فزلكة" المشاهد الرومانسية المطعمة بالموسيقا والضباب، وبعيدا أيضا عن كل "ايدلوجيا" عفنة، كتلك التي تُحقن بها القصص العاطفية، التي تتسم سيرها بالمبالغة لكسب ود المشاهد حسب نوعه.
ورغم أنه الحكايا الثلاث، تتشابه في ظروفها العامة وظروف شخصياتها، إلا أن ما يُحدث فرقا بينها من جهة المضمون، هو "الحب" السلاح "الوردي" الذي يسكب على ثلوج الكره والمرارة من خمره المعتقة، فيحيلها إلى ربا من غيم وورد، تعبرها مشاعر صافية، نقية، محاربة، لا يقف في وجهها ألف طوفان مهما كان نوعه، طالما أن القلوب قد هتفت للقلوب، والأرواح صهلت للأرواح، وهذا بالضبط ما يقدمه الفيلم، ويسعى من خلاله لتقديم نماذج من السوريين، يثبتون أن ما في جنباتهم من حياة، أعلى وأكمل من الموت.
الحكاية الأولى تحكي وعلى لسان بطليها "عليّ الحافي– إيمان الجمل" قصة حب زُرع في أرض من رصاص وبارود يحترق، ثم أورقت حبقاً وكروم، أما الأحداث التي صنعت هذه القصة، فتقع والحرب في أعتى منعطفاتها ولحظاتها؛ مجموعة مسلحة تهاجم مشفى "دير عطية" حيث تعمل "رباب" الموت راح يتمشى بين عنابر المشفى، والخوف يبسط رائحته فوق الأسرة وفي قلوب المرضى والطاقم الطبي المدني.
خلف أخد أبواب المشفى المكلوم، راحت "رباب" تصلي بقلب صادق وروح روعها الهمج، أن تنجو من المصير الأسود الذي ينتظرها، بعد أن شاهدت بأم أعينها، عودة التتار ومغول العصر إلى بلدها، وما حل فيه من خراب ودمار، ها هي تراه وتشم أنفاسه الوحش تجوب المكان، وتهدد لا بموت، بل بعذاب، إلا أن الأوقات القاسية التي عبرتها في ذلك اليوم، لم تكن في حقيقتها، إلا مقدمات عنيفة، لحب سيولد من بين أعمدة الدخان وأقواس اللهب، فالأصوات الغريبة التي سمعتها من المهاجمين، واللكنات البعيدة عن أي لهجة سورية تعرفها، حل مكانها، صوت أليف في أطيافه، ويد أزالت وحشة وقتامة المشهد بعبارة: لا تخافي أنا من الجيش.
في مشفى النبك، تعرفت رباب على عليّ، وعرفت أنه كان من الرجال الذين حرروا مشفى "الباسل" وهناك أزهرت قصة حبهما النقية، وراحت حياتهما تتأهب لتغييرات كبيرة سوف تطرأ عليها، فابنة يبرود، تعلق قلبها بابن اللاذقية، وما سعى جنود الظلام لتكريسه في النفوس، هدمه الحب عندما لاح من غرة قلبيهما؛ تغرب العاشقان بعد اللقاء المهيب، ذهب عليّ في عدة مهام قتالية، تنقل فيها إلى حلب وكسب، ثم عاد إلى داريا، وهناك أصيب، وفي فترة نقاهته، تزوج عليّ برباب، لم يكن لديهما أي شيء حينها، ساعدهما الأهل والأصدقاء، وتكللت تلك المرحلة القاسية والدموية، بحب خالد، لا يزال ينبض قويا عزيزا.
ما قدمته الدراما المحلية عن الحواجز والعلاقات التي نشأت عليها ما بين الناس، ليس إلا مراهقة فنية غير ناضجة، أمام ما حدث فعلا على أحد الحواجز في مدينة يبرود، مكان الحكاية الثانية من حكايات "الحب في الحرب"
الحكاية الثانية، تبدأ عندما وقعت نظرات غدير غندور على قسمات الجندي ماهر إبراهيم وهو قادم على ظهر دبابة، كان وجهه عابسا وملامحه حادة، رأته من شرفة البيت، بعد تحرير المدينة من الظلام الذي خيم عليها، ثم قادها قلبها إليه، كان الحاجز الذي يقف ماهر عليه غير بعيد عن بيت غدير، ولأنها من بيت كريم، تعرف قيمة الجوار، هبطت بسكبة "يبرق" لجيرانها الجنود الموجودين على الحاجز، وماهر صاحب الوجه العابس بينهم؛ بدأت تلك الملامح القاسية بالانفراج بعد أن صار مرور غدير اثناء ذهابها وإيابها، يُعذب قلب الشاب المرهق من نوبات الحرس الطويلة، فما كان منه في أحد المرات، إلا أن اعترف لها بأنه يحبها، ضحكت غدير وهي تحكي كيف كان حبيبها يتعرق مرتبكا كطفل وهو بيثها لواعجه، وقلبها الذي هتف له مذ رأته في المرة الأولى، راح يرقص طربا على وقع كلمات الغرام النابضة بالحياة، التي راحا يتبادلانها في رسائلهما العاشقة.
خطب ماهر غدير، ولم تخلُ تلك الخطبة من بعض العقبات الاجتماعية، فتلك المرة الأولى في يبرود، التي يتزوج فيها جندي من الجنود الذين حرروا المدينة، من فتاة أحبها منها؛ بعد الخطبة بأشهر، نادت الحرب "ماهر" إلى ميادين بعيدة عن حيث يخفق حبه طري العود، ندي الزهر، لكن هذا لم يمنعه من الارتباط بغدير، تزوج العاشقان في حفل صغير اقتصر على الأهل والأصدقاء، ليزهر في غصن الحرب المشتعل، برعما من ضوء، سيبدد وأمثاله وحشة عتمة ثقيلة ربضت فوق القلوب طويلا.
الحكاية الثالثة، تدور أحداثها في محافظة "دير الزور" وهي أيضا تحكي قصة جندي شاب، ذهب إلى الحرب، فاصطادت قلبه غزالة "ديرية"
حيدر محمد وشروق أحمد، الجندي وطالبة العلم في الجامعة، تحكي شروق ويدها ممسكة بيد حيدر، بينما يقضيان وقت الغروب معا، كيف كانت العاطفة الصادقة، هي ما تتحرك في دواخلها كلما جاء حيدر لزيارة صديقه - شقيق شروق - في المنزل، ويتابع حيدر بخجل يلف محياه الحكاية المفرحة، هكذا ودون مقدمات، وقع قلب شروق بنت مدينة القصور في دير الزور، في هوى الجندي العاشق ابن مدينة اللاذقية، وهو بدوره فعل؛ عندما تقدم حيدر لخطبة شروق، رفض والدها في البداية، فلا يحب أي أب أن تتزوج ابنته وترحل بعيدا إلى محافظة أخرى، لكن رفضه لم يدم طويلا بعد أن تعرف على الشاب وأهله، وهكذا تزوجا دون احتفال، وذلك بسبب الحصار الذي كان مضروبا من قبل الظلاميين على المدينة، أزهر حبهما واينع خلف جدران الحرب ورائحة الموت، ثم صار عود سنديان متين، يحملهما في هذا الزمان الصعب، كلما اشتدت القسوة وانفرجت أسارير الظروف المريرة في وجهيهما.
يوظف الفيلم العديد من المشاهد الحقيقية لبعض المعارك التي وقعت، إن كان في مشفى دير عطية أو في دير الزور وداريا وغيرها، ورغم الضعف الواضح في الإنتاج، إلا أن هذا لم يمنع أن يقدم الفيلم مقولته، اعتمادا على ما رواه أبطاله، ثم على الخيط الناظم الذكي، الذي وضعه المخرج لسرد الحكاية.
"الحب والحرب"، فيلم وثائقي من لحم ودم وروح، يحكي دون بهرجة سينمائية، عن طبيعة ومعدن أهل هذه البلاد، رغم كل ما جرى ووقع ليكون الشقاق والدم هو السيد والحاكم، ويحكي كيف تستطيع التفاتة حب تورق في لحظة، أن تضيء غتمة كادت أن تكون سرمدية لولا أن انتصر الحب، وسادت أحكامه الخضراء اليانعة.