قصة جائزة نوبل
د. جورج نادر سوريانا
رأى غابرييل غارسيا ماركيز نفسه يوماً، بينما كان يحلم أثناء نومه، أنّه يحضر مأتمه الشّخصي برفقة أصدقائه القدامى، وألهمه ذلك الحلم المضيء لأن يكتب قصّة جنازته كما رآها.
أشار ماركيز لتلك الواقعة في مقدّمة مجموعته القصصيّة «اثنتا عشرة قصّةً مهاجرة» دون أن ينشرها فيها، إنّما نشرها بعد سنواتٍ لاحقة.
هذه الفكرة بالذّات، فكرة أن يتمكّن الشّخص من مشاهدة جنازته ومراسم تأبينه، قد ألهبت خيال الكثير من الكتّاب والروائيّين، كما تمّ تقديمها في السّينما والتّلفزيون وعلى خشبة المسرح مراراً.
غير أنّ هذه الفكرة تجسّدت في الواقع أيضاً بشكلٍ غير مقصود، وكانت السّبب الكامن وراء ولادة جائزة نوبل.
فبينما كان لودفيغ نوبل، شقيق آلفريد نوبل مخترع الدّيناميت وسواه من المواد المتفجّرة "الأكثر أماناً من النّيتروغليسرين"، مسافراً في فرنسا عام 1888 داهمه الموت. لكنّ خطأً غير مقصودٍ قد أدّى بصحيفةٍ فرنسيّةٍ لأن تقع بالالتباس وتظنّ أنّ من مات هو آلفريد نوبل، فخرجت بعنوانٍ عريضٍ فحواه «تاجر الموت قد مات» وأوردت أدناه الكثير من التّفاصيل الّتي تمحورت بمجملها حول الفكرة المركزيّة القائلة بأنّ نوبل قد جمع ثروةً من خلال إيجاد طرقٍ لقتل المزيد من البشر.
وهكذا قيّض لآلفريد نوبل أن يشاهد جنازته المفترضة قبل أن يموت فعليّاً، وبالطّبع أصيب بخيبة أملٍ هائلةٍ لمّا عرف كيف سيذكره التّاريخ.
خيبة أمله تلك دفعته لأن يفكّر مطوّلاً في وسيلةٍ تدفع عنه ذلك المصير المخزي، ومن ثمّ تفتّق ذهنه عن فكرة الجائزة. وبعد أن تبلورت أفكاره بشأن الجائزة، نصّ عليها طيّ وصيّته وأودعها لدى النّادي السويدي- النرويجي، الّذي كان عضواً فيه، واشترط أن تمنح تلك الجائزة، بعد أن قسّمها إلى خمس جوائز فرعيّة، لمن يسهمون في خدمة البشريّة وإرساء السّلام العالمي، أيّاً تكن جنسيّاتهم.
توفّي نوبل في 10 كانون الأوّل عام 1896، لكن لم يتمّ تنفيذ وصيّته إلّا بعد خمس سنواتٍ من تاريخ وفاته، فتمّ منح الجائزة الأولى عام 1901، ولم يتوقّف منحها منذ ذلك الوقت سوى خمس أو ستّ مرّات خلال الحربين العالميّتين.
درجت العادة على أن يتمّ الإعلان عن الفائزين بجوائز نوبل في شهر تشرين الأوّل من كلّ عام، على أن يتمّ تسليم الجوائز في ذكرى وفاة نوبل أي في العاشر من كانون الأوّل. كما درجت العادة على أن يتمّ الإعلان عن أسماء جميع الفائزين من قبل الأكاديميّة الملكيّة السويديّة للعلوم، باستثناء جائزة السّلام فيتم الإعلان عنها من قبل الأكاديميّة النرويجيّة.
بالطّبع لا يخفى على أحد بأنّ المعايير الّتي يتمّ من خلالها منح هذه الجوائز، وعلى الأخصّ جائزتيّ الآداب والسّلام، قد كانت على الدّوام محطّ تساؤلاتٍ واستغراب، وعلى الأخصّ في العقد الأخير من الزّمن. إلّا أنّه، وبالرّغم من أنّ الجائزة قد ذهبت مراراً إلى غير مستحقّيها، لم يصل الأمر إلى درجة الفضيحة الكبرى كما حدث هذا العام من خلال منح جائزة نوبل للآداب إلى مغنٍّ أمريكيّ.
أو بلى، لقد حدثت مثل هذه الفضيحة من قبل، فقد تمّ منح جائزة نوبل للآداب عام 1953 إلى ونستون تشرشل رئيس الحكومة البريطانيّ، تصوّروا!
إذاً، إن لم يكن اختيار بوب ديلان هو الفضيحة الكبرى، فهو حتماً ثاني أكبر فضيحة للأكاديميّة السويديّة. لا يهمّني كلّ ما قيل من مبرّراتٍ هزيلة ارتجلها أعضاء اللّجنة المانحة للجائزة بخصوص التّعابير الشعريّة المبتكرة الّتي تصل عبر الأذن.. ما هذا الهراء؟!
هل أصبح بوب ديلان، ووينستون تشرشل من قبله، في سويّةٍ واحدة مع القامات الهائلة الّتي سبق لها أن نالت الجائزة؟ هل تريد الأكاديميّة السويديّة أن تقنعني بأنّ بوب ديلان هو صنوٌ لغابرييل غارسيا ماركيز، ولطاغور، ولألبير كامو، ولأرنست همنغواي، ولبابلو نيرودا، ولصموئيل بيكيت، ولجورج برنارد شو، ولسواهم من العظماء؟
تصوّروا أنّ ليو تولستوي لم يحصل على جائزة نوبل، بينما حصل عليها بوب ديلان!
تصوّروا أنّ أنطون تشيخوف لم يحصل على جائزة نوبل، بينما حصل عليها بوب ديلان!
وأستطيع أن أعدّد في عجالةٍ أسماء العشرات ممّن أثروا الأدب العالميّ، منهم من مازال على قيد الحياة ومنهم من خطفته يد الموت، ولم يحصلوا على جائزة نوبل.
فرانس كافكا، مكسيم غوركي، إدواردو غاليانو، جورج آمادو، خورخيه لويس بورخيس، إيزابيل اللّيندي، عبد الرحمن منيف، حنّا مينا، عزيز نيسين، محمود درويش، جبرا ابراهيم جبرا، نزار قبّاني، صنع الله ابراهيم، محمّد الماغوط، سعد الله ونّوس،.. وكثيرين غيرهم..
جميع هؤلاء لم يحصلوا على جائزة نوبل.. بينما حصل عليها بوب ديلان.. ووينستون تشرشل!
يا للعار..
أشعر بالأسف على روح آلفريد نوبل.. فرغم كلّ ما بذله لكي يتخلّص من ذلك المصير الّذي رآه في جنازته الافتراضيّة قبل وفاته، ها هو يلقى نفس المصير في محصّلة الأمر، وتتلقّى روحه يوميّاً آلاف اللّعنات..
وإن ليس بسبب الدّيناميت.. إنّما بسبب الجائزة الّتي تحمل اسمه..