كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"ابراهيم وصَفية" جرأة التناول وحيوية المعالجة

 جوان جان- فينكس

مع تعدد مرّات تناوله من قبل مخرجينا المسرحيين أصبح نصّ "مَقام ابراهيم وصَفية" واحداً من أهم النصوص المسرحية الكلاسيكية التي يتم تناولها بحثاً عن فرجة مسرحية تقدم الفكر الراقي التقدمي وتفضح قوى التخلف والانغلاق في مجتمعاتنا.

يتحدث النص الذي كتبه الأديب وليد إخلاصي قبل عشرات السنوات عن قصة حبّ شفافة وبريئة بين صفية الفتاة الجميلة والمنطلقة حباً للحياة، ابنة شيخ الجامع المتفتّح، وابراهيم الفتى الفقير واليتيم الذي يشفق عليه أهالي الحيّ، أجير الفرّان الذي يجد في صفية شكلاً من أشكال الانعتاق من حياة البؤس العاطفي والإنساني.

يكشف النص النقاب عن العديد من الأمراض الاجتماعية والأخلاقية التي تنخر مجتمعاتنا الشرقية المحافِظة وتكاد أن تودي بها إلى الهلاك، هذه المجتمعات التي تتآكل بفعل عشرات، بل مئات الموروثات الاجتماعية التي تكبّل أبناء المجتمع وتجعل منهم مجرد دمى تتحرك دون وعي وإدراك منها، تحركها أيادٍ خفية-معلومة تتمثل بمجموعة من المتسلّطين ذوي السطوة الدينية المتوارثة.لا يتوفر وصف.

ما يُسجَّل للنص محاولته الجادة في الفصل بين رجل الدين المنفتح والمتنور والمتفهم المتمثل بشخصية شيخ الجامع، ومدّعيّ التديّن من الذي يستخدمون الدين بالطريقة التي تناسب مصالحهم وتحقق نزواتهم وتبرر شذوذهم والمتمثلين في العرض بشخصيتَي أبو الروس وأبو الكيف اللتين تتستران بستار الدين لتحقيق مآربهما الدنيئة التي يحاولان تغطيتها بستارة شفافة من ادعاء الدفاع عن الشرف والأخلاق.. والواقع أن ما افترضه النص من فصل بين المتدين الحقيقي والمتدين المدعي كرّسه العرض الذي أخرجه الفنان زيناتي قدسية للمسرح القومي بدمشق بمشاركة نخبة من نجومه والمقدَّم تحت عنوان "ابراهيم وصفية".. وبطبيعة الحال يستغل قدسية مراحل العرض المختلفة لتعزيز فكرة النقد الاجتماعي، ابتداء من فاتحة المسرحية التي تزامنت مع انتقاد عادة إطلاق العيارات النارية في المناسبات والذي هدف إلى إدانة لما هو أكبر وأبعد من إطلاق النار ألا وهو إدانة العنف المتغلغل في مفردات الحياة اليومية، العنف الذي أضحى لغة الشارع في أبسط تفاصيلها.

بنى العرض بنيته الدرامية بأسلوب متدرّج ومتوازن دون ترهل أو حرق للمراحل، فبدا أشبه بسلسلة متجاورة ومتناسقة الحلقات، وكانت البداية مع توارد أنباء عودة بعض وجهاء الحي الشعبي الذي تدور فيه أحداث المسرحية من الحجّ، لتكون نقطة الشرارة الأولى في العمل إعلان أبو الروس على الملأ رغبته بالزواج من صفية ابنة الشيخ صالح شيخ الجامع، لتلحق بها الشرارة الثانية التي شكلت نقطة الصراع الأولى ألا وهي إعلان أبو الكيف نفس الرغبة مما يؤدي إلى نشوب خلاف عنيف بين الرجلين المتسلحين بسطوتهما وقوتهما وتسلطهما، عدا عما يقومان به من أعمال مخلة بالقوانين.

النقلة الثالثة المفصلية في العرض تتمثل بالكشف عن علاقة الحب البريئة بين صفية وابراهيم، وهو ما يولّد انطباعاً لدى المتلقي أن أمراً جللاً لا بد أن يترتب عليه هذا الحب، خاصة بعد لمس هذا المتلقي أن المعترضين المفترضين على هذه العلاقة لن تنقصهم الجرأة على إعلان اعتراضهم وإلحاق هذا الاعتراض بسلوك عنيف وأهوج وبعيد عن العقل .

ويصل العرض إلى نقطة مفصلية عندما يكشف درويش الحي مرزوق قصة الحب أمام الجميع بعد أن شاهد الحبيبين وهما يلتقيان خلسة في المقام، ليبدأ العرض بعدها بالدخول في مرحلة الذروة عندما يصطدم العدوان سابقاً والحليفان الآن أبو الروس وأبو الكيف في مواجهة العدو المشترك ابراهيم مع والد الفتاة الرافض لزواج أبو الروس من ابنته والمصدوم إلى حدّ الفجيعة بعد كشف النقاب عن علاقة الحب بين ابراهيم وصفية، لنصل إلى النهاية المتوقعة في مجتمع يعاقب الحب ويحاكم المحبين وينتصر لكل من يفتقد الأخلاق لمجرد أنه يمتلك القوة والمال .

في هذا العمل يضيف زيناتي قدسية الكثير إلى تجاربه الإخراجية، خاصة على الصعيد الفكري والاجتماعي النقدي بعد سلسلة من الأعمال التي تعددت مستوياتها بتعدد رؤاها الفكرية ومعالجاتها الفنية.لا يتوفر وصف.

على الرغم من الشكل التقليدي للديكور الذي ظهر عليه في المشهد الأول إلا أنه سرعان ما يتحول إلى ديكور عمليّ عندما يتغير مكان الحدث لينتقل من الساحة العامة إلى المقام، بنفس الوقت الذي ساهمت فيه الإضاءة في عملية الانتقال هذه، بينما انفردت المؤثرات الصوتية بمؤازرة ذرى العرض الدرامية بهدف تنبيه الجمهور إلى الانتقالات الحساسة في أحداث العرض.

شكّل الأداء التمثيلي وحدة متكاملة تمثلت باختيار مجموعة متميزة من الفنانين المتمكنين من أصحاب التاريخ العريق في العمل المسرحي، أتى في مقدمتهم يوسف المقبل الذي قدم أداءً عكس درجة التوتر والانفعال العالية التي تعيشها شخصية أبو الروس منذ بداية العرض وحتى النهاية، حاول مواكبته في ذلك قصي قدسية في أدائه لشخصية أبو الكيف الوجه الآخر لأبو الروس، ومن جهته قدم محمود خليلي شخصية شيخ الجامع الغنية بتقلباتها والمتعددة بطرائق تفاعلها حسب الحدث، فهي الأب المحبّ لابنته والمتفهم لعواطفها ورغباتها، وهو الصارم إلى حدّ القسوة عندما يغيب عنه جزء من الحقيقة، وهو صاحب الموقف الشجاع في مواجهة أدعياء الدين والأخلاق، وقد تمكن خليلي من تقديم مختلف هذه الحالات وهو الفنان اللصيق بأعمال زيناتي قدسية والعارف بتفاصيل رؤاه الإخراجية.

من جهتهم قدم كلّ من علاء الشيخ وسامر الجندي وجمال نصار شخصياتهم ذات البعد الأحادي بما يليق بها ويناسبها وحسب حجمها في العمل، بينما قدمت صفاء رقماني ويوشع محمد شخصيتَي العاشقين بكثير من القدرة على كسب احترام وثقة وتعاطف المُشاهِد، علماً أن طبيعة مَشاهد الحب العذري التي قدماها قد يرى فيها البعض رؤية تقليدية لمَشاهد الحب التي كانت تحفل بها الدراما التلفزيونية والسينمائية العربية في الغابر من الأيام، ويعتقد كثيرون أن أوانها قد فات في خضمّ تعقيدات الحياة وكوارثها.

وتبقى الشخصية الإشكالية التي أداها المخرج ذاته، شخصية مرزوق التي يُفتَرض أنها أكثر شخصيات العمل إثارة لحنق المشاهد وغضبه لأنها كانت سبب كل المشاكل التي اندلعت بعد أن شاهدت الحبيبين ووشت بهما، وصولاً إلى لحظة قتلهما، لكن العكس هو الذي حصل عندما اتخذ المُشاهد من الشخصية موقفاً حيادياً بسبب طبيعة تناولها من الفنان قدسية الذي آثر أن تكون خفيفة الظل وقريبة من النفس، وكان لهذا الخيار إيجابياته وسلبياته، فمن الناحية الإيجابية أضفت الشخصية بأسلوب أدائها جواً طريفاً على العرض كسرَ حدّة مَشاهده وعنف أحداثه، أما من الناحية السلبية فقد أدى نمط الأداء المعتمَد لها إلى حيادية موقف المتلقي تجاهها.. ولكنها بكل الأحوال تبقى من الشخصيات المتميزة التي أداها زيناتي قدسية مسرحياً.

يبقى أن نقول أن هذا العمل يُعدّ بمثابة تحية من مديرية المسارح والموسيقا ومن أسرة المسرحية إلى قامة أدبية شامخة هي قامة كاتب النص وليد إخلاصي صاحب عشرات الأعمال المسرحية المتميزة.

ابراهيم وصفية

تصميم الديكور والأزياء: كنان جود.

تصميم الإضاءة: بسام حميدي.

تصميم المكياج: منوّر عقاد.

تصميم الإعلان: يارا أبو شقرا.

توليف موسيقي: قصي قدسية.

تصوير فوتوغراف: يوسف بدوي.

مساعد المخرج: خوشناف ظاظا.

مشاركة في الأداء: عابد زينو، عاصم زينو، سمير أبو عساف، عماد سعيدان، سامر اللوباني.                         

    

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني