كعجوزٍ فقد كلَّ مُجايلييه..!
علي الرّاعي - خاص فينكس:
في مسلسل الخربة، الذي عُرض أكثر من مرة ضمن مواسم الدراما الرمضانية، و خارجها؛ كان على أبو نايف – رشيد عساف - "زعيم" عائلة بيت "بو مالحة" وحتى يُكشف عن عنترياته القديمة، التي يبزُّ بها أبو نمر – دريد لحام - زعيم عائلة بيت "بو قعقور"؛ أن يسرد بطولاته السابقة، والتي ليس من "شاهد عيان" على حدوثها سوى "نعمان" – نضال سيجري- الذي كان بحكم أهل القرية قد توفي في الغربة.. وفاة نعمان هذا، فتح المجال لـ"أبو نايف" لأن يطلق العنان لشطحات تخييلاته البطولية، من قتل الضباع والوحوش، إلى المعارك الضارية، مع عناتر وقباضيات القرى المجاورة، والتي كان يخرج منها على الدوام منتصراً، وليس من يؤكد تلك البطولات والانتصارات، وحتى التلفيقات والفبركات التي كان يلصقها بغريمه، وصديقه اللدود "أبو نمر" سوى شهادة نعمان "الله يرحمو" ..!
غير أن عودة نعمان "الله يرحمو" على حين غفلة، دبَّ الرعب في قلب أبو نايف، فالقصص التي كان يرويها مؤكداً على حدوثها على شاهدته العينية، وحتى المشاركة معه، كلها ستفند في لحظة غفلة غير محسوبة، ومن هنا كان على أبو نايف، أن يُكذّب حتى في شخصية نعمان نفسه بكل شراسة وبلا هوادة، والعمل بكل ما بوسعه، لعودته من حيث أتى..!
ثمة "مثل" يُقال دائماً، وهو يحذر من اثنين أو ينصح – على الأقل - بالتريّث بتصديق رواياتهما، وأحاديثهما، وأما هذين الشخصين، فهما: عجوز فقد كلَّ معاصريه، أو مجايليه، وغائبٌ عائدٌ من السفر، فالشخصيتان، ليس من "شاهد عيان" على رواياتهما، ومن ثم فإنّ الساحة متاحة لأن (يسبحا؛ ويكشّا) في فضاءات المخيلة ما استطاعا إلى ذلك من شطح، والفرصة سانحة أيضاً لمختلف الأشكال من السرد، وليس لها ما يوازيها على أرض الواقع من سند، وبإمكان السارد، وعلى طريقة "أبو نايف – الخربة" أن "يشهّد" من يشاء من المجايلين، والمعاصرين الذين يكنون اليوم في دنيا الآخرة، أو من شركاء السفر المزعومين، لتبدو الرواية، وكأنها "الحقيقة".
في هذا المقال، ليس الهدف مما تقدم الحديث عن المسلسل الكوميدي السوري "الخربة" الذي أعاد (تهريج) الكوميديا السورية إلى رشدها، وإنما لأن لشخصية "أبو نايف" ثمة من الأدباء من يتقمصها في الكثير مما يكتب من مقالات، أو من خلال ما يُصرح به من آراء، وإذا كنّا نتفهم "التصابي" لأحد هؤلاء الكتّاب الذي يكتب اليوم في مقالة أسبوعية عن "دنجوانيته" وينصح الكتّاب أن يكفوا عن هذه الكآبة التي تشي بها كتاباتهم، ويتوجهوا للكتابة عن الحياة العشقية، تماماً كما هو اليوم يسفح أرشيف ذاكرته ويسوّد من خلاله بياض صفحات الجريدة أسبوعياً، كاشفاً عن قصصٍ غرامية ملتاعة، وكحالة "أبو نايف" يستشهد بمجموعة من مجايليه غادروا "الحياة الفانية" إلى "دار البقاء".. أقول قد نتفّهم "تصابي" هذا الكاتب الذي يسفح عواطفه على الورق، باعتبار – ربما- كان يريد أن يعيش هذه الحياة العاشقة واقعاً فيما مضى، غير أنه لـ"ظروف ما" حالت دون تحقيقها، ومن ثم يريد اليوم أن يعيشها على الورق، بما يشبه الواقع.
لكن الذي لا نتفهمه اليوم، إن ثمة كاتبٌ آخر فقد هو الآخر معظم مجايليه، واحد منهم – على الأقل- كان يحسده على نتاجه الروائي طوال فترة تلك "المجايلة" حسد وصل حد الأذية في أحيانٍ كثيرة، حيث كان يتطلع طول الوقت لإنجاز رواية تصل عتبات ما كتب ذلك الروائي "الراحل"، والراحل هنا هو الروائي هاني الراهب، والذي اعتبره – وهذه وجهة نظر بالتأكيد – سيّد الرواية السورية، ومع ذلك لا يتوانى صاحبنا الروائي اليوم عن سرد عشرات القصص والحكايات، والنوادر مستشهداً برفقة ومشاركة "غريمه" اللدود الراحل، والأخطر من كل ذلك، إنه يتكئ أحياناً على جرأة ذلك الروائي الراحل، لينسب آراء هي له شخصياً، إلى "غريمه" باعتباره يشاركه فيها الرأي، أو أن "الراحل" قائلها.
صحيح أن اليوم ثمة صعوبة، في أن تتاح للعائد من السفر، المساحة للشطح بالخيال بعيداً، ذلك أن مجال "الشطح" صار ضيقاً، فوسائل الإعلام والاتصال المعاصرة، كشفت لكل العالم ما يجري بعيداً خلف المحيطات، لكن على ما يبدو ماتزال الفرصة مواتية لمن فقد مجايليه، لأن يسافر في السرد بعيداً، وبشهادة "نعمان – الخربة الله يرحمو" ما غيرو..!!