في ماء صوتك... ضحك عائم و رغبة صباحية
ضحك عائم في زجاجة
نهض باكرا، غسل قلبه بحبتي “ترامادول”، خلع ملامحه البائسة وارتدى قناع الضحك.
كل الدروب التي مشى فيها، كان من المفروض أن تؤدي به إلى السجن، لكنه وعلى نحو غريب، نجا من هذا، نجا من السجن ومن الحياة أيضا!
في المقهى، جلس وتَفقدّ ذاكرته، التي يحدث هذه الأيام، أنها تتركه لبعض الوقت، تذهب لتتمشى حيث لا يعلم ولا يريد ربما أن يعلم، لم يجدها وهو بحاجتها الآن؛ "ما هذا المزاح السمج أيتها الذاكرة اللعينة"، قال، وكاد أن يبدأ بشكل جدي البحث عنها فوق الطاولات، بين الكراسي، على زجاج المقهى الغائم، في النظرات العابرة والعيون التي يتذكر أصحابها منها، لا من الأسماء التي يحملونها، بعد أن اقتنع أخيرا بأن "الأسامي كلام" لكن سرب السكينة عاد إليه، قفل عائدا من ضجيج كل هذا البؤس والحزن والغضب، مرّ برشاقة من بين زعيق السيارات و الأخبار التي ازدحمت كلها في رنين هاتفه، كان قد نسيه تماما، صمت الرنين، فصمت العالم كله معه.
ذوّبَّ المدينة كلها في كأس شاي، بينما نظراته، استقر شرودها لبرهة ربما أو لدهر، على السكر الأسمر، يلهو صاخبا فوق فسحة من ناعم خصر، سمح بها الطقس بالتواطؤ مع انفراجة القميص السماوي الرائق، لامرأة مرحة الجدائل، تجلس كمدية حادة على الكرسي المقابل.
الشاي أيضا صار بارداً، لكن الرحابة كانت تناديه فربما تغير صدفة أليفة، مزاج هذا الصباح المائل للكآبة.
الآن وغداً، سيتحتم على المقامر، أن يلعب على بضعة أنفاس خافتة، هي كل ما يملك في جيوب العدم.
إلا أن هذا لن يحدث اليوم على الأقل! سيكون عليه أن يغسل برمية نرد واحدة، كل ذاك الأسى المترسب في قعر عظامه، لكن هذا المرار العالق في حلقه كمطلع أغنية، كلماتها خطها الشوك، وموسيقاها من مقام النهاوند والندم، كيف له أن يغسل صوته منه؟
ليت قميصك المُقصب بالحرائق، يحضر أيضا، ذاك بمقدوره أن يفعل ذلك.
"كانت بلاداً من لحم ودم" قال، كل ما فيها أنصاف آلهة، وما من كتاب أو رسول.
في وقت ما، في ذاكرة وربما في نسيان، في نسيان وذاكرتين، سيلهو وهو يراقب حزنه، يروح ويجيء في خاطره، كضحك عائم في زجاجة.
رغبة صباحية
ذهبت إلى غير رجعة تلك الأوقات النادرة التي مرت عليّ وأنت تتنفسين قربي الهواء ذاته.
يعلو صدرك قليلا عندما يتزاحم الهواء في رئتيك، تضعين يدك على خصرك بحركة عفوية ،إذا ارتبكت أو خجلتِ من كلمة غزل فاحشة، ألقيها على مسامعك وأنت تحاولين أن تخبريني أمرا مهما.
معك لا شيء مهم إلاكِ.
أشمك من الخلخال المتراقص على ساقك، أشم نداك وضوعك اللذيذ الخجول، أشم دبق مساماتكِ بينما خصرك، يرتجف كسمكة صغيرة خرجت من الماء للحظة، اتذوق ضحكاتك السابحة في الهواء، كزهرة كرز تركت غصنها مع أول نسمة دافئة، وعلى الجسر الواصل بين ساحة "باب توما" و طلعة السوق القديم، حيث كنت تسندين ظهرك على حجارة الجسر القديمة، ترتدين فستانا مرحا بلونه الأخضر الفاتح والفراشة الصفراء الفاردة جناحيها عليه، تكاد تطير لو لم تمسسها نارك.
اليوم لم تكوني هناك، لكن رائحتك وطعمتك وحتى تحول وجنتيك إلى لون الجوري البلدي الذي سفح دمه فوقهما، كانوا جميعا معي ينتظرونك، على الجسر الذي اهديتك إياه ذات قبلة، بعد أن ضيفتني كروم عنب وفقد، لا تزال طعمته تسوط القلب، وكأن أثره نوبات سُكر متتالية لا صحو منها إلا فيها.
أما أمنيتي فكانت كما تعرفين ولا تزال، هي أن أُدخل الفرح إلى قلبكِ من أي حيّز تفتحينه لي.
ماء صوتكِ وخبزه
أحيا على ماء صوتكِ وخبزه منذ سنين طويلة لم أعد مهتماً بإحصائها.
أعوام مرّت وليالٍ أبطلت عادة عدّها، لكني صرت كأي سجين، أرسم خطا متعرجا يدل عليها على جدران زنزانتي التي صارت تمشي معي أين مشيت، وكأنها ظلي الذي يلبسني.
أحيا على صوتكِ، على رنته المتغيرة برشاقة، في كل مرة تناديني بها “حبيبي”؟
استعيدها كلما كنت شاردا في أوقات بعيدة، أو غارقاً في شأن أفكر فيه، يستهلكني وكأني تبغه المفضل، حتى أنني أصبح لشدة استغراقي به، بحاجة لرافعة تنتشلني مما أنا غارق فيه.
يطوف صوتك وكأنه ذاك الغبار الذهبي السابح في جو الغرفة، محيلا قيظ النهار إلى خيالات منعشة لأغان بعيدة ”هجروا الأحبة الحارة ليش البكي”، يمد يداه ويمسكني من يدي، ثم يأخذني إلى فراشي، يضعني فيه، ويغطيني بصداه الحنون.
استعيد نبرتك الحميمة وأنا أفكر أننا نتنفس الهواء ذاته، بأنك على مرمى نبضة، لكن هذا ليس صحيحاً، فكما تعرفين، المسافات وهم عند الشعراء فقط، أما في واقع الحال، المسافات كالهويات، قد تكون قاتلة.
لكن هذا لا يعني أنني لا استطيع أن أحيا مكتفياً عاطفياً، على ما بقي من صوتك ورنته الأليفة في وجداني، وحسب علم الطاقة أيضا صوتك يبقى سابحاً في الفضاء لا يفنى، لو أنني أستطيع بسلة واحدة، أن اجمع كل حرف نطقتِ به يوما من حيث استقر له المقام الآن، لو أنني أستطيع ذلك لأحشو به وسادتي التي اصبحت بحاجة ماسة لتلك الكلمات التي وقعت عليها منكَ سهوا، حتى أدمنتها، وها هي دونها على قيد الذبول وربا النسيان.
كلمات قلناها على عجل ونحن نهذي ربما، بأن لا سطوة للزمن علينا، لكنني لم أكن اتوقع ولا حتى في خيالي المتطرف في اللعب كما تعرفين، أن يكون صوتك حبيبي، ولم انتبه كل تلك المدة الطويلة التي لم تنقضِ بعد، لهذه الحقيقة المرهقة جدا.