على تخوم الوفاء...
ليندا ابراهيم- فينكس:
لا طهرَ يعدِلُ طهرَ الأرواحِ التي صعَدَتْ من طينِ الوجعِ وألمِ المعاناة في بدايات القرن المنصرم، لتؤسِّسَ لمكانتها علماً وتنويراً ونهضةً وارتقاءً بأجيالَ كاملةٍ من بعدها...
ومن تلك المنارات التي نعتزُّ بها ونفخر، هو المربِّي الفاضلُ والأديبُ الخلوقُ الشَّاعرُ الراحل عيسى حبيب....
كان يكفي أن يكونَ ثمةَ شخصٌ أتعرَّفُ إليه أو ألتقيه، وقد درسَ العربيَّة وآدابَها، لتنشأ صداقةٌ أقربُ إلى "القرابة" في النَّفس بيني وبينه، ولو لم يجمعنا أيُّ نسبٍ أو صلةُ رحم، والأستاذ عيسى منهم...
كنت عائدةً من معركتي في مسابقة أمير الشعراء عام 2013، حيث كنت قبل عام أي منذ 2012 إلى جانبه في لجنة التمكين الفرعيَّة للغة العربية، والتي كانت تضمُّ آنذاك خيرة المختصِّين والمهتمِّين والغيورين على اللغة من الانحراف والاندثار والضَّيَاع، وعلى رأسهم المربِّي الفاضل والعلَّامة الأستاذ محمد علي يونس أطالَ الله بعمره...
كان الأستاذ عيسى حبيب لا يتكلَّمُ إلا بالفصحى أثناء الاجتماع الدَّوريِّ الشَّهري، في حين كان معظمُنا لا يتكلَّمُ بها، بمن فيهم المختصِّين والمشتغلين في المجال التربويِّ منهم، وكان يصحِّحُ لغيره أثناءَ الكلام، بل وكان مرجعاً فيما لو سُئِلَ هل هذه الكلمةُ خاطئةٌ أم صحيحة في سياق الحديث، كان يشير إلى الأخطاء الشَّائعة في اللغة العربية وينبِّه إليها، كان جريئاً واضحاً في الطَّرحِ، صادقَ الرُّؤيةِ عميقَها، عميمَ الفضل، لا يبخلُ بأيِّ عطاء، ذا عزيمة لم تعرفِ الوَهْن، وفي نهاية العام 2014، كان من أوائل الواقفين على منبر الثَّقافة في طرطوس محاضراً وبشكلٍ غيرِ تقليديٍّ بالحضور عن اللغة وآدابها ودورها، وكأنه في مدرسته يعطي طلابه العلم...
أذكر أنه اتَّصلَ بي صيف 2014، لحضور مهرجان "السَّنابل" في بلدته "بْعَمْرَة" في ريفِ صافيتا، (حيث بات مهرجاناً أدبياً ثقافياً رسمياً سنوياً)، وكان منعني عارضٌ صِحِّيٌّ، فأتمَّ واجبه بأن أحضَرَ معه تكريمي إلى اللجنة في طرطوس أثناءَ الاجتماع بعد أشهر...
وحالما تناهى إلى سمعي بأنه شاعرٌ أيضاً، حتى كان من بين المشاركين في مهرجان الشِّعرِ العربيِّ الأوَّل في ثقافة طرطوس ربيع 2015، شاعرٌ أصيلٌ يكتبُ القصيدة الكلاسيكيَّةَ باقتدار، وبإلقاء جميلٍ يحفر في الذِّهنِ والنَّفس المحبَّةَ والجمال والإجلال لهذا الإنسان...
أذكر في عام 2016، أنني دعوتُهُ حالما تسلَّمْتُ رئاسة ثقافي الشيخ بدر، فلبَّى الدَّعوةَ محاضراً في "فلسفة الحركات في اللغة العربية"، قاطعاً المسافة الشَّاسعة المُضنِيَة بالنسبة لكهلٍ مثلِهِ، من صافيتا إلى طرطوس ومن طرطوس إلى الشَّيخ بدر جيئة وذهاباً، كيف لا وهو صاحبُ رسالةٍ، وحاملُ لواءِ اللَّغة ومن عشَّاقها المعروفين المعدودين...
كان من أوائل المُلَبِّين للدَّعوة لإنشاء نواة منتدى صافيتا الثَّقافي، وبقي مداوماً شهرياً للمنتدى ولأنشطة المركز حتى آخر أيام حياته...
نتذكره خالداً في القلبِ والوجدان حينما دعوتُهُ كرة أخرى عام 2017، ليحاضر عن التمكين للغة، فاشترط علي وقالَ سأقولُ رأيي بكلِّ جُرأةٍ فلا يزعلنَّ أحد، فقلتُ له المِنبَرُ مفتوحٌ لك فقل ما تريد...
أذكر في معرض محاضرته حيث فنَّد إنجازات اللجنة العليا للتمكين وفروعها في السنة العاشرة لتشكيل هذه اللجنة، أي خلال عقد من الزمن، داعياً لأن تكون لها قراراتٌ مُلْزِمَة وإلا فنحن نراوح في الهواء...
الجملة الأكثر شهرة والتي أطلقها حالما بدأنا بتكريم القامات الثقافية والأدبية والاجتماعية في المحافظة وغيرها، وكان مكرماً في صافيتا باقتراح من المركز الثقافي وإدارة الثقافة في طرطوس مطلع العام 2015، تلك الجملة التي ابتدر حديثَهُ بها:" لقد تعوَّدْنا أن يُذكَرَ الأديبُ ويكرَّمَ بعد رحيله بكثير، ولكن أن يكرَّمَ في حياته فهذا أمرٌ جديد جديرٌ بالوقوف عنده وبالالتفات والشكر..."
ما عشتُ... لا أنسى ذلك الوجهَ الطَّافح َبالبِشر والطِّيبة، َ العزيزةَ المصابرة التي حملت رسالتها، الكبرى والصغرى، فكانت تلك العائلة المميزة للراحل الكريم...
ما عشتُ لا أنسى صدقَهُ ووفاءَهُ... فكلُّ كلمةٍ تخرُجُ عنه يعنيها...
كان سنداً معنوياً وأخلاقياً للكثيرين ممن تعنيهم الأخلاقُ وجدارةُ التَّمَيُّز ومحبَّةُ العلم...
رحمة الله تتغمَّدُ روحَهُ الطَّاهرة إذ خسرناه مع كوكبة من أمثاله من المنارات فَخَلُّوا أماكنَ في النُّفُوسِ والقلوب لا يملؤها غيرُهم مدى الزمان....