الجسد إيديولوجيّاً وثقافيّاً بين التأليه والعورة
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
لعلّ ذلك يعود برأي الباحث " فؤاد اسحق الخوري " إلى النّظرة المسيحيّة إلى الجسد كجسد مؤلهن؟ وفي الإسلام كـ " عورة " يجب إخفاءها، لكن مع ضرورة تفقيه العامّة بوظائفه البيولوجيّة. يقول " يوحنّا " في رسالته الأولى: (كلّ ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العين وفخر الحياة وليس ذلك من الآب بل من العالم). إذن، شؤون الحياة الأرضيّة تختلف عن شؤون سكّان السّماء، ولذلك جاء المسيح من العذراء مجسّداً لـ " الروح القدس ". وها هو الغرب المسيحي يستعيض عن قصور النّصوص الدّينية المهتمّة بتثقيف المؤمن بحاجات جسده و وظائفه، بإدخال " التّربية الجنسيّة " في مدارسه وتعريف الأجيال بكلّ ما يخصّ شؤون الجسد والأحوال الفيزيولوجيّة للمرأة واعتبار ذلك شأنا صحيّاً للمجتمع ككل. والمفارقة الغريبة هنا، أنّه رغم جرأة المؤسّسة الدّينية الإسلاميّة التّقليديّة منذ مئات السنين بطرح كلّ خصوصيّات الجسد للنقاش، فإنّ مؤسّسات الدّولة العلمانية الحديثة المعنيّة بتنشئة الأجيال، لا تتجرّأ على إدراج هذه المادة في مناهجها التّدريسيّة. ويضرب الباحث " فؤاد اسحق الخوري في هذا السّياق " مثلاً على ذلك، هو كتاب لـ" محمد شريف الصّواف " وتقديم المفتي " أحمد كفتارو " الحياة الزوجيّة من منظار الشريعة الإسلاميّة 1995م، الذي فُقدتْ طبعاته الخمس بنفس العام، ويستنتج قائلا: لو كُتب الكتاب نفسه من منظار العلوم الاجتماعية والإنسانيّة لأثار ضجّة كبيرة.!
هكذا نرى بين روحيّة الجسد وجسديّة الرّوح ثمّة فراغات والتباسات. ففي سورة مريم من القرآن : " فإذا سويّته ونفخت فيه من روحي فقعوا له " أي لآدم "و: ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين". إذا ثمّة تجلٍّ جسديّ للروح يُستدّلّ عليه من معنى النفخ، بتحوّل الوضع الروحي إلى جسدي وكذلك، مسألة خلق الرّوح من الطين، كما ورد أيضاً في التّوراة والقرآن أيضاً، يقول سفر التكوين: "لأنّك تراب وإلى التراب تعود " ويقول القرآن: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين". ثمّ تبدأ ثقافة وأدلجة الجسد، دينيّاً واجتماعيّاً، لينقسم إلى/ طاهر ونجس / ولتصبح طهارة الجسد مرادفة لنقاوة الرّوح. في الإسلام يطهّر الجسد بالوضوء والصّلاة تقرّباً من الله، كذلك الأمر في طقس المناولة المسيحيّة. والصّوم يجهّز المؤمن لتقبّل جسد المسيح حيث يتحوّل المؤمنون إلى كنيسة أو مجموعة مقدّسة، ليتقاطع مفهوم " الجسد والروح " مع مدلولات وصفات اجتماعية وثقافية وسلوكيّة عديدة، تقسّم المجتمع إلى مراتب كما الجسد. فـصفة " خفيف الرّوح أو الدّم " تعني أنّ الموصوف صاحبُ نكتة. وشعار " الحياة وقفة عز" و " لن نركع " يشيران إلى الموقف البطولي والشجاع الذي يتّخذه أصحاب المبادئ ضدّ القوى التي تسلبهم الحريّة. وشتّان بين مفهوم الرّضوخ للحاكم بالمعنى التزلّفي، والرّضوخ لله بالمعنى والطّقسي. كلّ ذلك اشتُقَّ من وضعيّة الجسد ورمزيّته وفلسفة توظيفه الثقافي. كذلك للمجتمع منازل حسب تقسيمات الجسد وتفرعاته صعوداً ونزولاً وأطرافاً حيث يُفرز الرّفيع من الوضيع والكريم من المدنّس. ففي تلك المسافة الفاصلة بين الرأس والقدمين تتبارى الثقافات في استعراض رموز طهارتها وقيمها العليا والدّنيا عبر أمثلة المفاهيم، فنرى أحياناً، الدّلالات تتناقض وتختلف حول الحالة الواحدة. فمن يمشي" مرفوع الرأس هو ذو أنفةٍ وكبرياء، ومن يمشي منخفض الرأس هو ذليل، ولكنّ رفع الرأس الذي يكشف صاحبه أمام العدو المتربّص يسمّى تهوّراً، ونتيجته الموت المحتّم. وأعالي القوم يجلسون في الصّدارة وهي مرتبة الصّدر من الجسد، وكلمة رئيس هي من رأس وهي أعلى الجسد، لذلك تأتي مرتبة الزعيم في أعلى الهرم الاجتماعي وكذلك الوجيه من الوجه، بينما المنحطّ يوازي القدم، والجلوس في حضرة ذي المكانة الرفيعة إهانة، والوقوف أمام ضريح الشهيد احترام، كذلك من يأكل على الواقف لمشاغله الكثيرة، هو بعرف البعض متعالٍ على النّعمة. ثمّ تأتي الحالة الأيقونيّة " الصّورة المقدّسة " لتعلي الجسد إلى مرتبة الألهنة، عبر التّوظيف لمدلولات الحواس ومعطياتها بشكلٍ مختلف، من خلال اللّعب بالأبعاد الجسديّة والألوان وإخفاء البعد الثالث الذي يعكس التجسيم. والإبقاء على بعدي الطول والعرض وحسب، ليبدو الاختلاف جذريّاً بين التّصوّراتُ الثّقافيّة والأيديولوجيّة للجسد في النصوص المسيحيّة والإسلاميّة ،حيث لا نرى في المسجد سوى تزيينات وزخارف بالخطّ ّالعربي وتشكيلاته اللّونيّة، دون صور أو وضعيّات جسديّة لأنّ ذلك يعتبر عبادة للأوثان. بينما نرى في الكنائس المسيحيّة الشرقيّة ماعدا البروتستانتيّة حسب الباحث الأستاذ " الخوري " صور القدّيسين والملائكة وصورة العذراء، وصورة المسيح بجسد إنسان مصلوب وعلى رأسه إكليل شوك والدّم ينزف من قدميه كرمزيّة للخلاص والافتداء البشريّين.