حرب فرنسا و الأطلسي على سورية.. التضليل الكبير
يحيى زيدو- خاص فينكس:
قد يأتي عمل المؤرخ متأخراً على الحدث في الغالب، وربما كانت هذه "المثلبة" هي ميزة عمل المؤرخ في الوقت نفسه، إذ أن ذلك يتيح للكاتب أن يقارب الحدث في كليِّته، والنظر إلى عناصره المكوِّنة له، والأسباب البعيدة والقريبة التي أدت إليه.
هذا الكلام ينطبق على عمل المؤرخ الفرنسي "رولان أوريه Roland Hureux"، الذي أصدر مؤخراً كتابه الهام "فرنسا والأطلسي في سورية - التضليل الكبير".
الكاتب هو مؤرخ، وعضو اللجنة العلمية لمؤسسة شارل ديغول، ومستشار سابق في مركز التحليل والتوقعات التابع لوزارة الخارجية الفرنسية، وهو بالإضافة إلى ذلك خريج معهد ENA الذي يخرّج خيرة كوادر الدولة الفرنسية.
يمكن اعتبار الكتاب المشار إليه أعلاه بمثابة مراجعة نقدية لدور فرنسا ودول حلف الناتو في الحرب على سورية، يفنِّد الأسباب الحقيقية لهذه الحرب التي أراد الغرب إطالة مدتها بقدر ما استطاع.
يتوقف الكاتب مطولاً عند الحرب الإعلامية التي سوقت البروباغندا السياسية لدول الغرب، ضد سورية بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك بقيادة مؤسستين أمريكيتين عملتا بتنسيقٍ وتعاضدٍ تام في إدارة الحرب الإعلامية والنفسية ضد السوريين ؛ الأولى هي مؤسسة (Psy Ops) التي تركز على العوامل النفسية في استخدام الإعلام للتأثير على العواطف، والرأي العام، وعلى المؤسسات والحكومات والدول لجذبها إلى جانبها.
والثانية، مؤسسة(Public Diplomacy) التي تتمتع بميزانية هائلة، وتعمل على تشويه صورة الخصم و شيطنته و إبراز الوجه الملائكي لأعدائه. وهو ما تم القيام به بالفعل من خلال التركيز على شخص الرئيس السوري، والاعتماد على مصدر وحيد للمعلومات، هو عبارة عن مكتب صغير في لندن يديره"أخواني" برعاية الحكومة البريطانية. وقد أثبتت وقائع السنوات العشر من الحرب على سورية عدم مصداقية ذلك المصدر، كما تبين أن رعاته كانوا يعلمون بأنه يكذب و ليس له أية مصداقية.
و يتساءل الكاتب عمّا كانت فرنسا ستفعله إذا واجهت ما واجه الرئيس الأسد من تنظيمات مسلحة إرهابية متشددة، و كأنه يعيد إلى الذاكرة مشهد تعامل عهد "ساركوزي" مع متظاهري الضواحي في باريس، حين قامت الحكومة الفرنسية بإنزال الجيش إلى الشوارع، و إطلاق النار على المتظاهرين، مع أن ما فعله هؤلاء لا يقارن بما فعله المتطرفون في سورية إطلاقاً.
يركز الكاتب على العوامل الخارجية التي أدت إلى الأزمة السورية، فالعوامل الداخلية لم تكن سوى جزء بسيط من المشهد، أما الفاعل الرئيسي فكان الخارج، أو بتعبير أدق، الغرب الذي أغرته اكتشافات الغاز في منطقة الخليج العربي(الكاتب يستخدم مصطلح الخليج الفارسي) الذي تتقاسمها قطر و إيران، أراد إيصال الغاز القطري إلى أوروبا عبر الأراضي السورية وتركيا للإستغناء عن الغاز الروسي، وعندما رفضت الحكومة السورية مدَّ هذا الخط عبر أراضيها، أصبح هدف الغرب كسر سورية، خاصة وأن ذلك تزامن مع اكتشاف حقول كبيرة للنفط والغاز في سورية. وهذه رواية تتطابق إلى حد كبير مع رواية الدولة السورية لأسباب الحرب، والتي كان الإعلام الغربي يعتّم عليها.
العامل الثاني، الذي ركز عليه الكاتب، هو عداء الغرب الشديد لسورية بسبب عدم قدرته على ضمها إلى الحلف الغربي بسبب تحالفها القديم مع روسيا، فصار هدف الغرب كسر الحلقة السورية لمنع روسيا من أي تواجد لها في المنطقة، و يستشهد الكاتب بما كتبه روبرت كينيدي المحامي النيويوركي وحفيد الرئيس كينيدي مقالا في مجلة Politico :” إن اطاحة الأسد واستبداله بنظام قريب للغرب كان قرارا أميركيا اتًّخذ.منذ العام 2009″.
وهنا نستعيد رواية وزير الخارجية الفرنسي الأسبق (رولان دوما) الذي أكد أن أولى مخططات الحرب على سورية كانت في لندن عام 2009، و أن مخيمات اللجوء تم بناؤها في كردستان منذ ذلك التاريخ استعداداً لاستيعاب السوريين الذين سيتم تهجيرهم بسبب الحرب التي ستُشَنُ عليهم.
يضاف إلى العاملين السابقين موقف سورية من القضية الفلسطينية ومن الغزو الأمريكي للعراق اللذان وضعاها في موقف التعارض مع مصالح الولايات المتحدة، التي وجدت في تنظيم "الأخوان المسلمين" الجماعة السياسية المنظمة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في إسقاط النظام السوري.
ولا يغفل الكاتب عن المصلحة الإسرائيلية في هذه الحرب، فاسرائيل القلقة من تنامي القوة الإيرانية، للم تخشَ فقط الهيمنة الإيرانية، بل إن المحافظين الجدد في أمريكا والمتطرفين الصهاينة اعتقدوا أن المواجهة الإيرانية الإسرائيلية قادمة لا محالة، ولذلك لا بد من تدمير الحلقة السورية لحرمان إيران من حليف قوي، وقاعدة متقدمة قريبة من إسرائيل.
و بالعودة إلى الدور الفرنسي في الحرب على سورية، ينتقد الكاتب بشكل حاد السياسة الفرنسية، ويشير إلى الدعم العسكري والمدني للجماعات المتطرفة في سورية، لدرجة ان مكتب "الوكالة الفرنسية للتنمية" في بيروت تحول إلى مركز تمويل للمتطرفين بأوامر من الحكومات الفرنسية المتعاقبة في عهود هولاند وساركوزي و ماكرون ،الذين ارتكبوا مع وزراء خارجيتهم "خطأ جسيماً في التقدير والحكم وأعمتهم الإيديولوجيا التي حجبت التاريخ الدبلوماسي العريق لفرنسا".
يعتقد "أوريه" بأن سياسة فرنسا في سورية قد محت تقليداً فرنسياً عمره أكثر من سبعة قرون، قوامه حماية المسيحيين في الشرق الذي استبدلته بدعم وتسليح أولئك الذين يقتلون المسيحيين و يغتصبونهم، ويأخذون بناتهم سبايا.
ولم تتخلَّ فرنسا عن تاريخها في حماية الفرنسيين فحسب، بل عن تراثها الإنساني المتعلق بحقوق الإنسان حين ساندت القاتل على حساب الضحية.
يتابع الكاتب انتقاداته لأطراف الحرب على سورية، ومنها منظمات "إنسانية" و دولية عملت على قلب الحقائق و تزويرها، كما حصل في الهجوم الكيميائي في الغوطة، والتي تم اتهام الحكومة السورية به فيما الفاعل الحقيقي هو جبهة النصرة الإرهابية على ما يؤكد الكاتب.
إن كتاب (فرنسا والأطلسي في سورية، التضليل الكبير) هو واحد من عدد كبير من الكتب التي تناولت الحرب على سورية، وأوضحت بالوثائق والمعلومات والتحليل أن الأزمة السورية ليست أزمة بين سوريين بقدر ما هي حرب على كل السوريين.
و في هذا السياق نعيد التذكير بكتب أخرى صدرت سابقاً باللغة الفرنسية، منها: كتاب السفير الفرنسي السابق في سورية فريدريك بيشون (سوريا، لماذا أخطأ الغرب)، وكتاب كريستيان شينو (دروب دمشق، الملف الأسود في العلاقات السورية الفرنسية)، و كتاب ألكسندر ديل فال (الفوضى السورية).
يضاف إليها كتاب (سورية الأصوات المغيَّبة) الذي كتبه الكاتب و الصحفي السويدي (باتريك باولوف) و انتقد فيه الحكومة السويدية و حكومات الاتحاد الأوروبي بسبب موقفها من الحرب السورية، ودعمها للإرهاب من أجل تدمير الدولة السورية. وقد تمت ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وأعطى الكاتب موافقته على الترجمة والنشر متنازلاً عن حقوقه المادية، معتبراً هذا الكتاب هو هدية للشعب السوري، لكن هذا الكتاب ما يزال ينتظر من يطبعه باللغة العربية.
فهل يكون اتحاد الكتاب العرب هو الناشر الذي يستجيب لدعوتنا بضرورة طبع هذا الكتاب، بدل أن نبقى أسرى ما تختاره دور النشر اللبنانية في ترجمة ما يخص الشأن السوري؟