كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن إبداع "الجرنيكا" ومشهد الإعتياش على المأساة

علي الرّاعي- فينكس

اعتياش أول
لنتخيّل لو لم تحدث نكبة فلسطين، واحتلال الصهاينة لبلاد كنعان، أو القسم الجنوبي من بلاد الشام، هل كنا قرأنا آلاف القصائد، ومئات الروايات والقصص، والأفلام السينمائية ومسلسلات الدراما، واللوحات الفنية وغيرها من فنون القول، والفنون البصرية التي قاربت وقائع ويوميات هذه المأساة العربية المزمنة، حتى "محمود درويش" نفسه "اعتاش" لبعض الوقت، أو خلال مرحلتين من تجربته الشعرية الثورية والوطنية على مأساة فلسطين، وذلك قبل أن ينتقل إلى المرحلة الثالثة التي اتجهت نحو الحالة الإنسانية بشكلٍ عام.
اعتياش ثانٍ
لنتخيّل كذلك لو لم تحصل نكسة حزيران، التي احتل الصهاينة خلالها العديد من المناطق العربية جنوباً وشمالاً وشرقاً بالنسبة لفلسطين، هل كان وجد هذا الكم الهائل من النتاج الإبداعي الذي استلهم ذيول هذه النكسة، واعتاش على هذه المرارة، وذلك سواء اختلفنا أو اتفقنا مع جودة هذا النتاج، ومع أن هذا الصوت الرثائي الذي يغلب على المزاج الشعري، والإبداعي بشكلٍ عام، يأتي حسب الشاعر "محمد علي شمس الدين"، بعد انتصارين عسكريين واضحين على "إسرائيل" أو بعد ثلاثة انتصارات: 197٣ و2000 و2006، مع ذلك لم نقرأ شيئاً من الشعر العميق والمتطور الذي يضع هذه الانتصارات في أساس التجربة الشعرية.
وكأن القصيدة العربية في نموها اللولبي - كما حياة العرب- تأبى إلا أن تعيش إلا من خلال هذه الدموية، ومن ثم كثرة هذه القصائد "النوّاحة" التي تولول طول الوقت.
اعتياش بعيد
في الزمن القديم أي قبل الإسلام، كان ثمة طقس لما صار يُعرف ب"الشاعر الجاهلي" الذي كان عليه أن يسفح دموعه على أطلالٍ بائسة ودارسة للحبيبة، أركان من حجارة، وأسمال من حبال ومزق خيم، وبيوت الشعر، إذاً إن حالة الحزن والكآبة التي تلف القصيدة العربية، وذلك منذ ما قبل الإسلام، وحتى آخر قصيدة معاصرة كان باعثها ذلك الفقد المريع، والخسارة التي تكسر الضلوع، سواء كان الأمر وطن أم حبيبة، أو أي عزيز آخر، هذه الحالة التي تأزمت عند المبدع العربي، إلى الدرجة المزمنة، بحيث أن هذا المبدع استطاب العيش في الكآبة، وقد نسي الباعث الأساسي للكآبة نفسه.
عند تأسيس سيف الدولة الحمداني لإمارة "حلب" سنة (930 هجرية)، والتي حاربتها كل امبراطوريات الكون حينها، كان على شاعر هذه الإمارة أن يُسجّل كل تلك الدراما في مختلف (رومياته) التي أنشدها خلال وقوعه أسيراً بين يدي الروم.
اعتياش من جغرافيا أخرى
ثمة شاعرٌ ياباني يقول: أستطيع رؤية مستقبلي كاملاً.. ولذا لا أستطيع محو انطباعاتي الحزينة، إذاً المستقبل كما يراه ذلك الشاعر الياباني كان السبب في حزنه، لكن الذي يُحزن الشاعر العربي هو الماضي، هذا الماضي الذي أصاب الجميع باكتئابٍ عام، وعلى حد قول شاعر العربية ومفكرها اليوم أدونيس: الكآبة المنغرسة في الروح العربية، والشعر العربي، هي فطرة وطبيعة، ثمة حسرة في الشعر الجاهلي، تبطّن حتى الفرح، ومهما زخر العالم بريح الفرح وناره، يبقى في نظر الجاهلي طيفاً يتلاشى مع الفجر الطالع، وهذا يوضّح لنا أن حساسية الشاعر الجاهلي حساسية إفراط وهياج، تمزج دائماً بين غبطة الحضور، وحسرة الغياب، بين ما نقبض عليه وما هو قبض الريح.
اعتياش قريب جداً
البعض يرى أن من أسباب هذه الكآبة سواء للشاعر، أم للقصيدة هذه التقليدية، وكأن القصيدة الحديثة وصلت إلى مرافئها الأخيرة، حتى بدا الشعراء اليوم وكأنهم يكتبون نصاً واحداً، فالمفردات ذاتها، وأحياناً البنية الشعرية ذاتها، مع أن البعض يبرر الحالة هنا بأن الشعر هو أكثر الفنون تمثلاً ذاتياً للمعطى الخارجي المحفّز، ونحن ننتمي إلى زمن فاقد الإنسانية، فاقد لأحاسيسه، وهو زمن مغيب للشخصية الفردية المبدعة، انكساراتنا واحدة وأحزاننا واحدة، هواجسنا وغربتنا واحدة، أحلامنا – إن بقيت لنا – واحدة، أصبحنا متشابهين في كل تفصيل، كل منّا يبحث عن خصوصية دون جدوى، من هنا كيف لا تكون مفرداتنا واحدة، مادمنا نتمثل هذا الواقع المتجسد في محدوديته بانعكاسٍ واحد، كيف نبتكر الجديد في هذا الإيقاع الطويل والممل؟!
لنتخيّل أيضاً لولا قيام الحرب الأهلية الإسبانية، ورغم كل ويلاتها، كيف كان لبيكاسو أن يُنجز عملاً هائلاً بحجم لوحة (الجرنيكا) التي كانت تجسيداً عن تلك الحرب؟! بل هل كانت وجدت كل هذه الملاحم من عصور الإغريق الأولى كالألياذة، لولا حروب طروادة ومآسيها، بل لولا حروب القبائل العربية فيما بينها، هل كانت وصلتنا هذه السير الشعبية الملحمية من سيرة بني "هلال"، وحتى مأساة "الزير سالم"؟!! وهي جميعها تُصنف على أنها الإبداع الذي اعتاش على المحنة والمأساة، إنه "إبداع الجرنيكا"!!
اعتياش ميتافيزيقي
الشاعر "محمد عُضيمة"، سيكون له تشخيص آخر في تفسير هذه الكآبة، وسببها كما يرى، هذا اللهاث وراء شعرية اللامرئي، أو الميتافيزيقي، التي توحي أنها تفتح آفاقاً لاحدود لها للقارئ العربي، والشاعر بفعل الحشو الزائد، وتحويل القصيدة إلى بحث في الجغرافيا والتاريخ والفلسفة والأساطير، لكنها وبهذا تحديداً تقوده في اتجاهٍ واحد الكآبة والقنوط، لذلك سوف لن تجدوا ابتسامة على ملامح أي شاعر من شعرائنا المعاصرين، بل ستجدون جديةً عابسة!
بعض ثالث يُفسر أسباب هذه الكآبة بسؤال الشاعر لنفسه: لمن يكتب؟ والهوة بين القصيدة والمتلقي تتسع لبحر، حتى الأماسي والمهرجانات الشعرية على كثرتها، لم تستطع أن (تبلّط ولو بعض الأمتار القليلة من البحر) الفاصل بين الطرفين، رغم كل محاولات البعض أن (يُبهّر) الأمسية الشعرية بمرافقة الموسيقا تارةً، وطوراً بمسرحة القصيدة، غير أن كل هذه الجلبة لم تستطع أن تأتي ولو ببعض الأصدقاء من أقرب مقهى!
ثمة محترف واحدٌ للحزن، يمدح منه الشعراء اليوم، وذلك بعد أن اقتنعوا تماماً أن الفرح ليس مهنتهم، كما جاء على لسان سيد الحزانى "محمد الماغوط"، وهذا ما نجده في آلاف النصوص اليوم على تنوعها، بل وفي مئات الأعمال التشكيلية والسينمائية والمسرحية، وذلك بعد عشر سنوات من الحرب على سوريا، حرب أعتقد لن تسمح ولو بابتسامة تفترُّ من شفتي نص يُكتب من اليوم، وحتى نصف قرنٍ من السنين القادمة. 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني