كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سيرة الأوفياء.. قصة الشهيد البطل علي شاهين شاهين

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

إنَّها قصصُ بطولاتٍ ملحميَّة،ٍ بكلِّ ما تعني الكلمةُ من معنىً، لبشرٍ لم نسمعْ عنهم بالتواتر عبر العقودِ أٍوتتالي الأجيال، وما أكثرَهُم في تاريخ الشُّعوب، وليست قصصاً من نسج الخيال، تدخَّلَ خيالُ الكاتبِ أو الرَّاوي ليشطحَ به على تخوم الأساطير، بل هي لبَشَرٍ "شبابٍ سوريِّين، عانوا وعاينوا محنةَ سورية خلال العقد الأخير، وكانوا من طلائع الأبطال الذين افتدوا ترابها الغالي بالأرواح والمهج، فساروا على درب جلجلتها الطويل، العظيم الألم، وهم يرتلون "فدا سورية"... وهذه قصَّة الشهيد عليليندا ابراهيم2 شاهين شاهين (الصورة)،... تماماً كما رُوِيَتْ من قبل ذوي الشَّهيد وأصدقائِهْ بكلِّ صدقٍ وأمانة، ولم أتدخَّلْ سوى بالأسلوب الأدبيِّ السَّرديِّ...

وُلِدَ وفي فَمِهِ ملعقةٌ من يُتْمٍ... فغدا منبعَاً للحنانِ والعطاءِ والأبوَّةِ والأخُوَّة...

لم يكن ذلك الطفلُ، الذي في عينيه ياقوتتانِ من فَقْدٍ، يعي وقتذاك ما كان يعتملُ داخل تلكَ النَّفس البريئةِ المحرومةِ من الأب باكراً جداً، لم يكن يدري أنَّ ذلك قد انعكسَ على كل خلجةٍ من خلجاتِ روحه، ذلكَ الصَّبيُّ الأسمرُ بلون الحنطة، وهو يلعبُ في باحة المدرسة أو على بيادر القرية، ليغدوَ، وفي لمحة قدرٍ ومسيرةِ اجتهادٍ حافلةٍ بالتَّميُّز والتَّفوُّق والمثابرة والشجاعة، ذلك البطلَ الذي تتزينُ المحافلُ والأوسمةُ باسمهِ، وتتباهى ساحاتُ المعارك ومواقف البطولة والشرف والرفعة بتضحياته، والعقولُ بذكراه، ذلكَ الفتى العَلِيُّ الشَّاهين...

ولد البطل شاهين في قرية "بريصين"، "منطقة "الشيخ بدر" محافظة طرطوس، عام 1970، تعلَّمَ في مدارس القرية والمنطقة، ثم درسَ الحقوق، تطوعَ في الكلية الحربية في حمص، متخرجاً منها ضابطاً عام 1991، ليخدم في درعا اللواء 61... وليبقى فيها حتى رتبة رائد حيث خضع لدورة قائد كتيبة مشاة في حلب ونالَ المرتبةَ الأولى عام 2006، وبراءةَ وسام التَّدريب من الدرجة الأولى، وبقي يخدمُ بمدرسة المشاة في حلب حتى تاريخ استشهاده...

اتبع دورة أمنية، ثم دورة قيادة وأركان، ونال المرتبة الأولى 8/4/2009، ليُوفَدَ على إثرها إلى الجزائر لمدة عام لدراسةِ قيادة أركان عليا، حيث اندلعت الأزمة في سوريا منتصف آذار 2011 وكانت أول فترة إيفاده إلى الجزائر، حيث قَدِمَ إلى سوريا في فترة 21 آذار 2011 ولمدة الأسبوع فقط  لقضاء إجازة منتصف مدة الإيفاد بجانب والدته في مناسبة عيد الأم، ليعود بعدها إلى الجزائر لإكمال فترة إيفاده، ويدافعَ في حزيران من العام نفسه عن أطروحته في العلوم العسكرية عن عيد الجلاء السوري، وفي 7/7/2011 اشترك في الندوة الداخلية للقانون الدولي الإنساني التي عقدتها الأكاديمية العسكرية في "شرشال"، حيث أتاه نبأ ترفعه إلى رتبة عقيد في الجيش العربي السوري في بدايات تموز 2011، متلقياً التهاني من العديد من رفاقه في سوريا والجزائر على حد سواء...

من درعا إلى حلب مدرسة المشاة، حيث كانَ مشرفاً على دورات قائد كتيبة، كان يزور عائلته القاطنة في حي "كرم اللوز" في حمص كل شهرٍ أربعاً وعشرين ساعة فقط، ليعود إلى أداء واجبه المقدس... كان طيلة فترة وجوده في الخدمة يسأل زوجته في أي الصفوف صار الأولاد، لشدة انهماكه في واجبه، وإيمانه بوطنه واستبساله في خدمته والدفاع عنه متماهياً مع الوطن ناسياً كل شيء إلاه...

بعد عودته من الجزائر مجازاً في العلوم العسكرية، عقيد أركان صيف 2011، * التحق بدمشق لمدة شهر، ليعود بعدها إلى مدرسة المشاة في حلب ثانية، مكان عمله قبل الإيفاد، حيث لن تراه عائلته بعد ذلك اليوم، ولن تسمع صوته ولن تتلقى منه أي شيءٍ، سوى اتصالٍ يتيمٍ قبيلَ استشهاده بيوم واحد، فقد ارتقى شهيداً بتاريخ 15/12/2012...

بتاريخ 14/12/2012 اتصل بزوجته السيدة سهام يوسف، ليبلغها بأمر الطبيب الذي كانوا على معرفة به وبعائلته وكان يخدم معه في مدرسة المشاة، وهو من اللاذقية، حيث طلب "علي" منها أن تتواصل مع أهل الطبيب وتبلغهم نبأ استشهاده، وأنه صلى عليه ودفنه في حرم مدرسة المشاة...** وأخبرهم أنهم يتلقون الهجوم تلو الهجوم من المسلحين والإرهابيين، وأن رفاقه يستشهدون الشهيد تلو الشهيد... ***

انتهت المكالمة، لتتقدَ النارُ في قلوب العائلة، الأهل الأم الإخوة الزوجة والأولاد حيث كان ابنه "شاهين" البكر في الصف السابع الإعدادي، في اليوم التالي وصل عائلتَهُ نبأٌ بإصابته وأنه تم نقله للعلاج، ولكن حقيقة الأمر أنه كان قد استشهد، ولكنهم لم يشاؤوا إبلاغ زوجته الخبر ريثما يجتمع الأهل جميعاً ويقفوا إلى جانبها في هذا الموقف الجلل...

يذكر المهندس وائل يوسف شقيق زوجته، وهو مهندس زراعي يعمل في حمص، بأنه كان يطالب علي بأن يأتي بإجازاته المستحقة له، ليرى عائلته وأهله، فكان يخبره بأن الوضعَ دقيقٌ وخطيرٌ داخل مدرسة المشاة وأنه لا يستطيع أن يترك الخدمة لحظة واحدة...

وليـأتي النبأُ الأليمُ المشرِّفُ الصَّاعِقُ الوقعِ باستشهاده بتاريخ 15 /12 /2012، ولمَّا يأت بعد جثمانه الطاهر من مكان الاستشهاد حتى تاريخه...

تذكر زوجته السيدة سهام بأنه عندما قدم رفاق السلاح للتعزية أخبروها بأنه كان يوزع راتبه على رفاقه الجنود وعلى العناصر المحتاجين، وحاول بعضهم رد الأمانة لها لكنها سامحتهم بها...

هوى "الشَّاهينُ"... محلقاً على جبال العزة وتخوم الشرف الرفيع، مدافعاً عن ثغورِ سوريا مع الرُّوم المتجدِّدين، ثاوياً على مقربة من سَيْفِ الدَّولة الحَمْدَاني...

هوى "العَلِيُّ" مُجَنْدَلاً مُضَمَّخاً مُخَضَّباً بزَعْفَرَانِ المجد والوفاء، مُكَفَّناً بِبُرْدَةِ البطولة والكرامة يوم 15 من كانون الأول عام 2012 عن عمر ناهز 42 مجداً

...................

* كانت الأزمة السورية في بداياتها وعلى أشدها، وتحديداً في حمص، حيث عائلته المؤلفة من زوجه السيدة "سهام أحمد يوسف"، وصبيَّيْن وبنت

**"لاحقاً سيدخل الهلال الأحمر السوري في تفاهم مع المسلحين ليسحبوا جثامين الطبيب وعشرة شهداء آخرين..."

*** يذكر أحد آباء الشهداء من قرية "بيت الوادي" دوير رسلان في منطقة الدريكيش، وابنه كان دكتوراً مهندساً ضابطاً يخدم في مدرسة المشاة بالفترة نفسها، بأنه حينما أتاه نبأ استشهاد ولده مع سبعة من رفاقه، تواصل السيد سليمان حسين، والد الشهيد د.م.محمد حسين مع علي شاهين الذي أنبأه بأنه صلى عليه وعلى رفاقه الشهداء ودفنهم، حيث طلب منه الأب أن يترك له علامة جغرافية فارقة لاسترداد الجثامين لاحقاً إثر التحرير الناجز للمنطقة، فأخبره بأنه دفن سبعة شهداء ابنه في الوسط على يمين قبره ثلاثة وعلى يساره ثلاثة، وأنه دفنه باللباس العسكري ووضع في جيب سترته الداخلية ورقة كتب عليها اسم الشهيد الكامل وأنه كتب اسمه على الصندوق، يذكر والد الشهيد أنه سمع نبأ استشهاد علي شاهين بعد ثلاثة أيام من هذه الحادثة...

**** لاحقاً وبعد سنوات قمتُ برفقة والدي بزيارة عائلة الشهيد علي شاهين، فسألت ابنه البكر في أي صف فقال ثاني ثانوي، فقلت له ماذا تنوي أن تدرس بعد الثانوية العامة، فأجاب بسرعة البرق: مثل أبي سأتطوع في الكلية... وتفر دمعة من عين والدته...

لاحقاً، وأثناء مقابلتي لزوجه وعائلته منذ حوالي شهر من كتابة هذه السطور أنني سألتها عن الأبناء وأين صاروا فقالت الكبير شاهين يدرس ثالثة حقوق وبعدها سيتطوع إما في الشرطة أو في الجيش!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سيرة ذاتية وجيزة:

علي شاهين شاهين مواليد 12/9/1970

الوفاة 15/12/2012 مدرسة المشاة في حلب

عميد شرف أركان مجاز

تزوج عام 1999 من السيدة سهام أحمد يوسف من حمص كرم اللوز موظفة لدى مديرية الصحة

الأبناء: شاهين علي شاهين طالب حقوق****

حلا علي شاهين طالبة صيدلة

خضر علي شاهين المرحلة الثانوية

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني