الآن، انسَ كلّ ما قرأت ارمهِ وراءك وابدأ الكتابة
2022.01.10
أوس أحمد أسعد- فينكس:
صحيح أنّ درب الألف ميل يبدأ بخطوة كما يقال، أماّ الشّمس تلك العاشقة المخاتلة، تتوارى خجولةً متمنّعةً في ضبابها الشّفيف، وراء التلّة أو تتربّع قمّتها ـ حسب سمت الرؤية ـ بكامل زينتها من الذّهب المصفّى والأنوثة الحارقة. وتنتظر بلهفةِ الرّاغبين بالمنح عشّاقها الضّالين، أصدقاء الحرف وعذوبته وعذاباته. لكن لتحرقهم حبّاً أيضاً، وترميهم إلى التّهلكة، إن لم يعرفوا كيف يتقون شرّ أنوثتها الباذخة. من هنا يجب على ذوي الخبرة والمران وشيوخ الكار الذين يزعمون الوصول إلى منابع الشّمس، الأخذ بيد من اختار طريقه الشائك هذا إلى هناك، عبر التّصويب والنقد الإيجابيّن. لكن هذا يعني أيضاً بنفس الوقت، تجنّب الوقوع في شراك امتداح النّصوص التي صدّرها أصحابها إلى القارئ من دون تروٍّ. أو التّعالي النّرجسي عليها. بينما المطلوب ببساطة، الوقوف على مسافة موضوعيّة معها، وتفحّصها بعين النسر العموديّة النّظر. والهدف هو تشذيبها، لا الحطّ من قدرها وإحباطها. وكلتا الطريقتين لو اتُبعتا بشكلٍ انفعالي، ستكونان مجرّد مرور عابر لا فائدة ترتجى منه، أو مجرّد مرآة عاكسة لأمراض النّاقد / القارئ وخلله النفسي والفنّي. والأهمّ من كلّ ذلك هو كثافة وعمق التجربة الوجوديّة والثّقافيّة للشخص ذاته، أقصد " كائن الكتابة ". فاحتراقاته بنيران التجربة وتطهّره برمادها، هما مولّدا الطاقة الجوهريّة التي تحرّك وتغذّي خزّان الإبداع لديه.
إنّ نسر الجبال وحدَه ينطلق دفعة واحدة في السّماء الزرقاء خفيفاً ويعلو ثمّ يعلو حتى يغيب عن الأنظار. مثل هذا الانطلاق ينبغي أن يكون انطلاق كتابٍ جيّد.
هذا ما قاله شاعر داغستان الكبير "رسول حمزاتوف" في كتابه الماتع "داغستان بلدي" وأنا أقول أنّ مثل هذه الانطلاقة ينبغي أن تكون انطلاقة الأديب أيضاً، في فضاءات التجربة الأدبيّة. وعلى المستوى الشخصي أعتبر أنّ كتاب " حمزاتوف "المذكور، يشكّل محطّة هامة في ذاكرة كلّ مهتمّ بالقراءة والشّأن الأدبي والثّقافي من جيلنا على الأقل. فهو أشبه بنبعٍ غزيرلا تنضب مياهه في فنّ القول والبوح الأدبيين. ولا يتطلّب ممّن يرده، سوى الرغبة الحقيقيّة في المتح، فكلّما "ذقته طلبتَ المزيدا". أيّها الصّاعد إلى الجلجلة، درب الكتابة الخالد، المحفوفة بالانزلاقات والاحتراقات الوجدانيّة والوجوديّة الكبرى. ولا بأس هنا أن نستحضر النصيحة المعروفة لأحد أساتذة الشعر القديم، موجّهاً إيّاها لشاعرٍ مبتدئ بكتابة الشّعر: اذهب واحفظ أربعة آلاف بيت من الشعر ثمّ عد إليّ، وحين عاد بعد مدّة من الزمن، مؤكّداً أنّه حفظها، قال له ببساطةٍ: الآن ارمها خلفك، انسَ ما قرأته وابدأ بكتابة الشّعر. وقد تكرّر هذا القول بصيغة أو بأخرى، في العصر الحديث على لسان كلّ من الكاتب الأمريكي اللاتيني الكبير"ماريو فارغاس يوسا" برسائله إلى شاعر شاب، والشاعر الألماني المعروف "ريلكه" بنصائحه لنفس الشريحة من الكتاّب في مرحلة الشباب.و بالتأكيد يجب ألا نأخذ النّصائح بمعنىاها الحرفي والشّكلي، بل بجوهرها ومجازها الواضحين، الذي يؤكّد على ضرورة اشتراك ملكات إنسانيّة كثيرة "حدسيّة، معرفيّة" في عمليّة التّلقّي هذه، مع توّفر شرط الموهبة بالدرجة الأولى. بمعنى، امتلاك "عينٍ ثالثة" تمتحُ طاقتها من بئر القراءة الكثيفة والهضم المتأنّي للمقروء المتنوّع المشارب وعدم التعجّل في تصدير المنتج قبل التأكّد من قدرته الحقيقيّة على المنافسة بالمعنى الإبداعي. فمراكمة الكائن لخبراته وزاده المعرفيّ سيشكّلان بالضرورة، سواء أكان واعياً لتلك التّخمّرات الحاصلة في الخفاء، أم لا، ذخيرة متنوّعة لا تزول وتختفي في العدم، بل تتحوّل بكل فلزّاتها وعناصرها الفنيّة المصهورة إلى نتاج فنّي ومعرفي وجمالي متقن السّبك، حسب حرفيّة صاحبها وتمكنه من أدواته. وذلك عبر عمليّة كيميائيّة معقّدة تخصّها، يمكن الوثوق بقيمتها، في حال توفّرتْ الذائقة النقدية المرافقة لها، و اللّازمة لصقلها عند منتجها أوّلاً، ليتمكن من فرز الحنطة من الزؤان.
ما قلته لا يعني بالتأكيد استخفافاً بالنّتاجات الشّابة الغزيرة السريعة التصديرهذه الأيّام "ذكوراً وإناثاً" أو وضع العصي في عجلات دورانها، بل هو محاولة وضع بعض نقاط علّامة على طريق مسارها، وتبطيء عمليّة اندفاعها الانفعالي لتسّلّق السّلم دفعة واحدة وحسب. فكلّ المهجوسين بالكتابة وطقوسها المباركة، مرّوا، أو سيمرّون بهذه المرحلة بشكلٍ أو بآخر.أعني مرحلة امتلاء المخيّلة والروح الإبداعيّة بالأسئلة الكبرى والهواجس المقلقة التي تبحث عن طريقة ما للتنفيس عن محتواها. ففي مرحلة "الشّباب الأوّل" يمكن تلمّس شيئاً ما يعتصر الكائن من الداخل، ويتلهّف للخروج، وهنا يتشابه ــ آليّاً ومبكراًــ كلّ صاحب حساسيّة خاصّة، مع تجربة الكاتب الحقيقيّة النّاضجة فيما بعد. ولكن ذلك لا يكفي لإنتاج الأدب والفنّ، بل يجب توفّر قرون استشعار قادرة على الجسّ والملامسة ونفض الغبار كلّما تراكم، والانتباه الشديد إلى طبيعة البذار التي نحاول زرعها في تربتنا، وتهوية هذه التربة بشكلٍ دائم بتعريضها للشمس والهواء الصّحيّين. أيّ يجب الانتباه إلى كلّ ما قرئ سابقاً وأنضجته الخبرة في الحياة من تجارب على كافة الأصعدة ومن ضمنها القراءات المتعددة والنّوعية السّابقة، التي يجب وضعها على محكّ الامتحان والمساءلة الدائمين، وترك كلّ ما من شأنه عرقلة النّهوض الجديد من سبات اليقينيّات السّائدة. فنضج التجربة يتطلّب باختصار شديد، مجهوداً تراكميّاً كبيراً وأدوات مصقولة تساعد في إحداث التغيير النّوعي المطلوب حين تنضج شروطه الموضوعيّة والذّاتيّة. فما نفع كتاب لا يضيف شيئاً لما سبق وراكمناه في داخلنا من معارف؟!.
ثمّة الكثير من النتاجات المصدّرة للمستهلك "القارئ" هذه الأيام، والتي كانت سبباً في تحفيز هذه التأمّلات النقديّة. وهي لا تقف عند جيل الشباب بل هناك الكثير من الغثّ في نتاجات من يعتبر نفسه بمنأى عن النقد محصّناً بعمره الطويل وإصداراته الكثيرة واحتفاء الإعلام به بطريقةٍ أو أخرى. وإنّني أؤكّد أنّ هذه المقالة تمسّه وتمسّنا جميعاً في الصّميم، نحن هواة الكتابة والمحترقين بنيرانها المقدّسة. وربّما نستطيع بالقياس أن نطبّق شيئاً من هذا القول على الكثير من النّتاجات التي غاصت في توجّهها الإيديولوجي وغدت أشبه بفقاعات صبيانيّة، أو بيانات حزبيّة فجّة لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به. وبهذا المنحى يصبُّ قول المنظر البلغاري "تزفيتان تودوروف": (كان لابدّ لي من اكتساب أدوات جديدة للعمل، أحسستُ بالحاجة إلى الاستئناس بمعطيات ومفاهيم علم النفس، والأنثروبولوجيا، والتاريخ.. فالأدب لا ينشأ من الفراغ، بل في حضن مجموع من الخطابات الحيّة التي يشاركها في خصائص عدّة... فهو يثرينا لا نهائيّاً ويزوّدنا بإحساسات لا تعوّض تجعل العالم الحقيقي أشحن بالمعنى وأجمل. إنّه يتيح لكلّ واحدٍ أن يستجيب لقدره في الوجود إنساناً).