كُفُّوا عن سؤالي.. عن برنامجي.. أن أتنفّس أليسَ برنامَجاً كافياً؟!
2022.02.25
أوس أحمد أسعد - فينكس
هل تموتُ القراءة والكتابة، ويموتُ المؤلّف، والفنّ، والّلغة؟، وهل هناكَ نهاية للعالم والتّاريخ؟!، هل اقتربت نهايةُ الحياة؟، ولماذا تندحرُ الأحلامُ والطّموحات؟ كلّما كفّوا أوغلَ الإنسانُ في ولوجِ عتَباتِ العصرِ الحديث، ليُمارسَ الكثيرونَ نكوصَهُم الطوعيّ نحوَ قواقعهِم وكهوفهِم المُعتِمة..
في الواقعِ الكثير من هذهِ المفاهيم وأشباهِها نراها تعمُّ الخطابَ الثقافيّ العالميّ والمحلّي المُستقيل من مهامهِ أصلاً، وبخاصّةً في مرحلةِ التغيُّراتِ الجوهريّة الكُبرى والحروب العاصِفة، والزّلازل الاجتماعيّة المُدمّرة التي تمرُّ بها المُجتمعات المتأزّمة بنيويّاً وتاريخيّاً، والتي تُعاني من فراغٍ فكريّ رهيب، وبالتّحديد مُجتمعاتنا العربيّة.
أقول، إنَّ هذهِ الدّعوات السّلبيّة للفرار منَ الحياةِ والتّاريخ، ومن كُلِّ أشكالِ الفعلِ الإيجابيّ المُبشّر بنهضةِ الكائن ليستْ حكراً على زمنِنا الحاليّ المُتردّي في القِيَم والأفكار، بل قالتها وروّجتْ لها أبواقُ ناعِبة كثيرة، وبأشكال مُختلفة على مرِّ العصور، ناشرةً كلَّ ما من شأنهِ أن يوهنَ العُقولَ والطّاقاتِ البشريّة المُتحفّزة للنّهوضِ من قُمقُمِها. ولكن، لا بأس أن نأخذَها كمُصطلحاتٍ مجازيّة، تتوفّر على شيءٍ منَ الحقيقة، إذْ إنّهُ ومعَ انهيارِ الأنظمة الشموليّة و"اليوتوبيات" المثاليّة تتعرّى المُجتمعات كما الأفراد من أوراقِ التوت الأخيرة، مُحاوِلةً البحثَ عن ملاذاتٍ وهويّاتٍ أكثرَ واقعيّة تُمكّنُها من استيعابِ روحِ العصر، فيكثُر حينَها التخبُّط والدعوات الانتحاريّة والتشاؤميّة، ويُخفِت صوتَ دُعاةِ المُراجعة والمُساءلة والبناء على أسسٍ جديدة تنبثق من خصوصيّاتِ مُجتمعاتِها.
فالتّغيير هوَ ضرورة طبيعيّة، وقانونٌ موضوعيّ يعكسُ دورة التاريخ المُتعاقبة، وعمليّةُ تنظيفٍ ضروريّة لرحمهِ كثير الوِلادات، وبخاصّة بعدَ ولادةٍ مُشوَّهة، أو بعدَ تعسُّرِ ولادةِ جنينٍ عنيد، ويترافق ذلك عادةً معَ تفكّكِ المنظوماتِ الفكريّة المُغلَقة، لعدمِ قُدرتِها على الإجابة على تلكَ المُستجدّات.
باختصار، هيَ صيرورةُ الجدلِ التّاريخي اليانعة، يقول "إرنست بلوخ" فيلسوفُ الأملِ الألمانيّ "العقل لا يمكنهُ الازدهار دونَ الحلم، والحلم لا يمكنهُ النُّطق دونَ العقل "، وهوَ يرى في كتابهِ (مبدأ الأمل) أنَّ بذورَ الأملِ لن تموت، لأنَّ كلَّ الحالات تنطوي على نقيضِها المُطلق.
وها هوَ "إريك فروم" مؤسّس البُعد الإنسانيّ الاجتماعيّ لعلم النفس يؤكّد أنّ التّحليلَ النّفسيّ هوَ وسيلة لفَهمِ الذّات أكثرَ ممّا هوَ وسيلة وحسب، داعياً لتعلُّمِ الحياةِ كفنّ، وعناوينُ كُتبهِ العالية الدّلالة تشيرُ إلى ذلك، وهيَ "فنّ الحب"، "فنّ الإصغاء"،... إلخ، يقول: "إِنَّ وظيفةَ العَقل هيَ ترقيةُ فنِّ الحياة".
أمّا الفيلسوف الفرنسيّ "ميشيل أونفري" فيدعو إلى تأسيسِ فلسفةٍ شعبيّة تستند إلى المذهب الأبيقوريّ، حيث اللّذة هيَ الخير الأوحد في هذهِ الدنيا، والألم هوَ الشّرّ الأقصى، مركّزاً على التّمتّع بالأمورِ الحسيّة والفكريّة، بهدفِ الوصولِ إلى السّعادةِ المنشودة؛ أي أن نشربَ حينَ نعطش، ونأكلَ حينَ نجوع، وأن نروّحَ عنِ الفكر بالتّنزّه بينَ الأشجار في الهواءِ الطّلق، ونستمتع بالطّبيعة والموسيقا اللّتين تُعيدانِ لنا نقاءَنا الإنسانيّ، يقولُ في كتابهِ "فنّ المتع": "المُتعة الفلسفيّة التي أدعو إليها تعني الزّهد والتّحرُّر من طُغيانِ مُجتمعِ الاستهلاك".
وباعتقادي الشّخصيّ أقول إنّهُ يكفينا شَرفاً أحياناً أنّنا - ونحنُ نتصدّى للانهياراتِ الشّديدة الحاصلة في لحظةٍ ما فينا وفيما حولنا - أن نوقفَ انحدارَنا الذّاتيّ عندَ "الدّرجة صفر"، لأنّه يُشكّل إِنجازاً بحدّ ذاتِه في هذا الزمنِ المُتسارع السّقوط نحوَ الهاوية.
يقول الفيلسوف "إميل سيوران" صاحب كتاب "المياه كلّها بلونِ الغرق" ـ الذي يبدو لدى القراءة المتسرّعة عنواناً تشاؤميّاً ـ “كفّوا عن سؤالي عن برنامجي: أن أتنفّس، أليس برنامجاً كافياً؟". ولعلَّ فكرةَ أستاذهِ الفيلسوف "نيتشه" الدّاعية إلى خلقِ كائنٍ استثنائيّ "سوبرمان" يتفوّق على ذاتِه في كتابهِ "هكذا تكلّمَ زرادشت " تأتي ضمنَ هذا السّياقِ الإيجابيّ أيضاً.
وبالعودة إلى فكرةِ عُنواننا الأساسيّة، فإنّي أرى فيها الدّعوة الأكثرَ إشراقاً وضرورة لعدمِ الاستهانة بشيءٍ في زمنِ الانحدارِ والتّجهيلِ، واليأس، وسيطرةِ ثقافة الاستهلاك.
يقولُ الناقد والروائيّ "إيكو": "الاعتقاد بنهايةِ شيءٍ ما حالة ثقافيّة أنموذجيّة، منذُ الإغريق واللّاتين ثابَرنا على الاعتقاد أنّ أسلافَنا أفضلُ منّا، أنا مُستمتع ومهتمّ بهذا النّوع منَ الرّياضة الذي تمارسهُ وسائلُ الإعلام الجماهيريّة بشراسةٍ مُتنامية عن نهاية الرواية، ونهايةِ الأدب، ونهايةِ معرفةِ القراءة والكتابة في أمريكا، ولم يعُدِ الناسُ يقرؤون!، والمراهقونَ لا يفعلونَ شيئاً إلاّ ألعابَ الفيديو!، بينما حقيقةُ الأمر هوَ أنّهُ في كلِّ أنحاءِ العالم توجد آلاف المَخازن المليئة بالكُتب والمليئة بالشبّان. لم يصدُف قطّ في تاريخِ الإنسانيّة أن كانَ هناكَ مثل هذهِ الكُتب الكثيرة، وهذهِ الأمكنة الكثيرة لبيعِ الكتُب، وهؤلاء الناس الشباب الكثُر الذينَ يزورونَ هذهِ الأمكنة ويشترونَ الكُتب، فأنا أتلقّى مجموعةً ضخمة منَ الكُتب كلَّ يوم، من روايات، وطبعات جديدة من كُتبِ أمتلكُها. أملأُ كلَّ أسبوع بعضَ الصّناديق وأرسلُها إلى جامعتي، حيثُ توجد طاولة كبيرة معَ عبارة تقول: "خُذ كتاباً واركض"، أشجّع الشّبان دائماً على قراءةِ الكُتب، لأنّها طريقة أنموذجيّة لتطويرِ ذاكرةٍ كبيرة، وشخصيّة مُتعدّدة نَهِمَة".
إذاً، فليجد كلٌّ منّا الطريقة في تحفيزِ نفسهِ والآخرين على الفعلِ الإيجابيّ عبرَ التّنقيبِ في حديقةِ الحياة عن كنزهِ الخاصّ وأسطورته، مُقتدياً بذلكَ العامِل الكولومبي "خوسيه ألبرتو غوتيريز" الذي أسّسَ مكتبةً ضخمة تضمُّ آلافَ الكُتب (شِعراً، رواية، قصصاً، كُتباً تعليميّة)، فمن خلالِ عملهِ كسائق لإحدى سيّارات القُمامة بدأت تتجمّع لديهِ عناوينُ كثيرة لكتّابِ ومشاهيرِ العالم، ابتداءً من (آنا كارنينا) لِ "لتولستوي، إلى (الإلياذة) لِ "هوميروس"، إلى (الأمير الصغير) لِ "أكزوبري"، إلى روايات "ماركيز"... إلخ، فقد جعلَ قِسماً من بيتهِ مُستودعاً لها للإعارة المجّانيّة، وتفرّغتْ زوجتهُ الخيّاطة لترميمِها، يقول: "ربّما هيَ المكتبة الأولى في العالم التي تُقدّم الكتب مجّاناً لمن يأتونَ لاستعارتِها"، وقد ذاعتْ شهرةُ مكتبة "قوّة الكلمات" في كلّ أرجاء القارّة الأمريكيّة، وشاركتْ في معارضَ كثيرة، فبدأت الكتب تنهالُ عليه من جهاتٍ مُختلفة، ولم يعُد مصدرهُ الوحيد هوَ النّفايات.
بهذه الآليّة البسيطة، والمُبادرة الجميلة لإنتاجِ الثقافة ونشرِها على المُستوى الفرديّ، والتي لن تُسعفَنا بأن نصبحَ كلُّنا فلاسفة مثلاً، يمكنُنا أن نراكمَ فعلاً ثقافيّاً فرديّاً وجمعيّاً، ومن ثمّ نوعيّاً فيما بعد قد يستطيعُ تحقيقَ طفرتهِ الخاصّة في الوقتِ المُناسب.
وهُنا لن نحمّلَ مؤسّساتِنا الثقافيّة والتربويّة أكثرَ من طاقاتِها المُتواضعة، ولن ننتظرَ منها إخراجَ الزيرِ منَ البير، وهيَ لَم تفعل يوماً ذلك، فكيفَ لها أن تفعلهُ في وقتِ الحرب، وقدِ اختلطَ الحابِل بالنّابل؟
لكن الطّامة ألاّ نستطيعَ مطالبتَها بلطافة - ولو من بابِ "المونة " - نحنُ المهتمّون بالشأنِ الثقافيّ العامّ، الحريصونَ على هذا الوطنِ وهُويّتهِ وثقافتهِ وحاضرهِ وتُراثهِ الفكريّ المهدورـ الارتقاءَ إلى مُستوى وعي عاملِ نظافة، اسمُه "خوسيه"..