كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. سعد الدين كليب والتجربة الجمالية

أحمد غانم:

حين تطغى الحرب ينشد الإنسان السلام. وحين ينتشر القبح يبحث الإنسان عن الجمال. و إذا كان الأمران في غاية الصعوبة إلّا أن مطلبهما يختبر ما تبقى فينا من إنسانية.
في كتابه "المدخل الى التجربة الجمالية" قدّم لنا الدكتور كليب مختصراً مكثفاً ومثقلاً بالمفاهيم ذات المضامين العميقة عن الجمال والتجربة الجمالية.
فميّز بين علم الجمال الذي يدخل ضمن بحوث الفلسفة والابستمولوجيا حيث موضوعه عام ومجرد. أي "وعياً كلياً للظاهرة" ص11. ويتجه الى نقد القيمة ص13. وكون لا قيمة موضوعية للعمل الفني خارج وعي و إدراك الذات. أي أن الجمالي لا يوجد بمعزل عن الذات، بمعنى أنه حكم ينصب على المنجز الفني عبر تفاعل الذات مع موضوعها. فهو "في النهاية علاقة بين الذات والموضوع" ص35_36.
وبين التجربة الجمالية ذات الطبيعة الحسية والفردية المشخصة كواقعة أو حالة محددة في مبحث الجمال. وهذه التجربة لاتقتصر على الفنان الذي من خلالها "يعي ذاته في علاقته بالعالم من حوله... وبها يعيد تكوينه كائناً جمالياً"، بل تشمل أيضاً المتلقي الذي يتلقى الرسالة ويعيها ويتفاعل معها. وهذا "الجمالي هو مادة التجربة الجمالية" ص43. و لا يمكن للتجربة الجمالية؛ وهي تجربة فردية (شخصية) تتأسس على المخزون الجمعي عند الفرد ومرتبطة بالزمان والمكان؛ لا يمكن لها أن تتحقق دون توافر عناصر أربعة هي:
1_التلقي الحسي: "فالحسية شرط التبدي الجمالي" ص51. وللسمع والبصر دوراً مميزاً عن الحواس الأخرى إلّّا ان الحواس تكاد تعمل جميعاً في التلقي الحسي.
2_ التلقي الانفعالي: و "يقوم بتحديد التوجه والمسار في التجربة الجمالية" ص58. وميّز بين الانفعال الجمالي الذي يعبر عنه "في علم الجمال بالمتعة الجمالية" ص60. وبيّن الانفعال النفسي العام الذي هو موضوع لعلم النفس.
3_ التلقي التأملي: ويقوم على "استطلاع الموضوع واستكشاف خصائصه الشكلية ودلالاته الممكنة ووظائفه المختلفة دون أن يتحوّل إلى تفكير فلسفي"ص65. أي دون أن يفارق طبيعته الحسية. و "دون أن يهدف إلى المنفعة. ص65. إلّا أن التجربة الجمالية كل واحد لا يتجزأ إلّا للدراسة الصورية دون أن يكون له وجود في واقع التجربة ذاتها. وهذا يقود إلى الاستمتاع الحسي_ الروحي.
4_ الاستمتاع الحسي_ الروحي: وهنا يميّز بين التجربة الجمالية وغيرها كالتجربة الصوفية. فإن كانت كلتاهما تقوم على انصهار الذات في الموضوع وذوبانها في موضوعها عبر عملية استغراق تام، فإن التجربة الجمالية لا تفارق المحسوس بل تنطلق منه وتتعلق به وتقود الى الاستمتاع الروحي. في حين أن التجربة الصوفية و إن لم تكن بعيدة عن الحس أو تأثيراته فإنها ذات طبيعة عرفانية وروحانية ولها جماليتها الخاصة ولكنها ليست تجربة جمالية.
أاختصر و أقول: إن التجربة الجمالية كما تبدت في الدراسة الغنية للدكتور كليب هي تجربة وجودية فذة، وبهذا تتشارك مع تجارب وجودية أخرى كثيرة. إلّا أنها تظل في النهاية تجربة فريدة لها خصائصها المميزة كالبعد عن النفعية والسمو الروحي دون أن تكون على تناقض أو ابتعاد عن الحقول البحثية الأخرى المعرفية والعلمية والعملية الأخرى.
__________
*د. سعد الدين كليب مدرس علم الجمال في كلية الآداب جامعة حلب. له عدد من الدراسات والكتب في علم الجمال. وكتابه مدخل الى التجربة الجمالية صادر عن وزارة الثقافة عام 2011.
* ملاحظة: أحببت أن أقدم إشارة إلى الكتاب ومؤلفه وأهميته دون أن أدعي أني أقدّم دراسة وافية أو حتى متواضعة عن هذا العمل. خاصة واني انشرها على الفيسبوك. 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني