كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بيانكا ماضيّة: النافذة

هي المغلفة بورق من ذكرياتِ آهاتٍ معصورةٍ كالنبيذ، هي الباردة اليوم من كل نفس حار يجعلها تتعرّق، لكنها اليوم تركع أمام أقدامهما الحارّة في هذا الطقس البارد. هي المشتاقة لروح هائمة، لروح لم تسمع هسيسها بعد، هي جمادٌ لا يقوى على التطلع في وجهي أو وجهها.

ولكنها كانت تنصت إلى صوتنا، تراقب تحركاتنا، تحزن حين نخرج إلى غيرها، وتعود فترفرف فرحة حين ترانا.

سترانا دوماً.ستعيش من خلال أنفاسنا.تأسرنا ونأسرها لنعيش معاً.

كانت مهجورة، هكذا وجدتها، بائسة، لاشيء يجعلها تعشق الحياة، سوى أصوات في الخارج، ولكن تلك الأصوات لم تعد تروقها، أصوات بعيدة، بعد السماء عن الأرض. أما أصوات الداخل فلم تكن قد أعارتها اهتماماً لأنها لم تر فيها صوتها الداخلي. كانت جل ماسمعته لايمت إلى الحب والحنان بصلة، جل ماسمعته كان يجعلها تغلق أذنيها عما يحصل من حروب وقتل للمشاعر.

جل ماكانت تسمعه من كلامه، صوته الداخلي، صوته المشبع بالأنين والقهر، حتى تسرّب اليأس إلى حياته، والجمود إلى مشاعره. كل أحاسيسه كانت باردة برودة هذا الطقس.

اليوم تفاجأت واندهشت، إذ رأته في هذه الحلّة، تساءلت النافذة: من أنت؟ أأنت الكاتب نفسه، ذاك الذي ملأ البؤس عمره، والرتابة تفاصيل حياته؟ أم أنت عاشق جديد؟!

لم تكن تراه كما كانت تراه من قبل، كان عارياً من كل أوراقه وذكرياته.

وعادت لتسأله: ماذا دهاك أيها الكاتب؟!

لست جديداً .أنا العاشق الكلي ،الدائم الحضور، الكلي الوجود.

ولكني لم أكن أعرفك هكذا، كنت أرنو إليك كاتباً ولم أكن أدرك إلا حين عرّاك ذات الصوت الأنثوي، أنك هو ذاك الكائن الدائم الوجود.

عريي كشفٌ لها، وقد عرفتِ أنتِ من تكون هي.

نعم وقد رأيتها مغتبطة حين رأتك بحقيقتك التي لاترتقي إليها أي حقيقة.

عرتني من زيفي، ومن حراشف مجتمعي، ومن الهواء الملوث، والشمس المائلة للغياب.. لكنها اكتشفتني، أوجدتني، أخرجتني من داخلها، كائناً جديداً، هي عشتاري وقد خلقتني بعلاً من جديد.

رأتك وأنت تحلّق بعيداً، تعلو عن سطح الأرض، والبحر، والغيوم، رأتك حين أوجدتك ملاكاً يرفرف بنور يشع في أرجاء هذا الكون.

كنت البعل أبحث عن عناتي، لم أعرف أنها هي.

وعندما وقفت أمامها، تذكرت وقلت : هي ذي، هأنا، نحن هنا..

وكم كانت تبحث عنك، من خلال النوافذ والأبواب، والجدران كلها، كانت تلمح اسمك مكتوباً هنا وهناك، يلتصق باسمها هنا وهناك، وكم جمعتكما أوراق وسطور وحكايات.

ونسينا الحكايات، ومحونا الحكايات. وتحولنا حكاية حب واحدة لها بدايتها، لها نهايتها، لكنها ليست كالنهايات.

وبقي اسماكما كما هما، مكتوبين إلى جانب بعضهما، ولكن الحكاية الأطول التي لم تذكرها الروايات، رأيتها مكتوبة في هذه الحروف التي استلقت على الطاولة أمامي:

"يعاندني القلم الآن في هذه اللحظات الأخيرة من عام كانت فيه الآهات قد وصلت أقصى حدود السماء، وكم ازدادت آهاتي فيه، في كل لحظة يسقط فيها طفل، أو جندي، أو حفنة تراب..

وكنت أفكر دوماً بالكتابة إليك، وكم عاندني القلم إذ كان حزيناً، مرتدياً وشاحه الأسود، وكم فكرت بك وأنت ترتدي لباسك المزركش بالوطن، لم أعد أعرف من منكما وطني، أهو الذي بات ممزق الأوصال، مشتت الإيمان، ملعونة فيه الليالي، أم أنت الذي تنام وتصحو، شارد الفكر، متأمل الجهات، رانياً إلى ذاك الأفق البعيد الذي التحمت فيه السماء بالأرض، وغرقت باتجاهه الأرواح؟! من منكما وطني؟! أهو الذي مازال يقاوم حتى النفس الأخير من الرصاصة، أم أنتَ الذي يشهق ويبكي كلما سال دم، أو ارتمت أمٌّ فوق قبر شهيدها المغطى بالريحان.. من منكما وطني؟! أهو الذي هجرته طيور السنونو باحثة عن عش دافئ، لاتخترقه قذائف الموت، أم أنتَ الذي احتميت بدفئه من كل صقيع الفكر؟!

أجمع حواسي وأنا أنظر إليك، فأعود طفلة هامت بروحها في ظلالك، قد تغرب الشمس وتصبح الجبال معتمة، لكن عقلي وأنا أراك، يظل محتفظاً بذاك الضوء الذي يرميه القمر حين يكون بدراً، أي ليل مقدس يجمعني بك؟! وأي صباح يرتل شعاعه على مرأى قلبي؟!  

أغرق في الصمت الذي يحوط بي، وأتطلع إلى الأشياء، وإذ أراك تشع من كل جانب، أروحٌ أرضيةٌ أنتَ أم قبسٌ سماوي؟! أراك تظهر من بين الطرقات، حاملاً فؤادك وماشياً باتجاه الألق، أو محلّقاً هناك في البعيد، فارشاً جناحيك على هذا الكون كصقر لم يتعبه الموت المعربد على هذه البسيطة.

وتأتيني حاملاً روائح العشب الندية، أراك ممدداً على بساط هذه الأرض، لباسُك لونُها، بل رائحةُ السماء، تزداد روحي تماسكاً فأخترق الظلمة البدائية الكامنة في جانب ما من روحي، وأنطلق إليك محوّلة هذه الظلمة إلى لهب، إلى نار..

أيّ وحدة سريّة تجمعني بك؟! أهي العناصر التي تشكلنا: الماء والنار والهواء والروح؟! أخال أن هناك عنصراً ما لم يكتشفه العلماء بعد.. هو ذاك الذي انحدرنا منه أنا وأنتَ..

طوال حياتي كانت هناك كلمة تظل تعيد ألحانها في مسمعي، تعذبني وتجددني كطفل خرج لتوه من ماء المعمودية، إنها كلمة السلام، كم بكيت في صغري وأنا أسمعها، وكم بكيت أعواماً خمسةً مضت وأنا أرنو إلى تحقيق حروفها في وطني، ولما ينتشر السلام بعد على مساحات وطني كلها، لكني وجدته كاملاً دون نقصان، بين جوانحك، في حنانك، في ترنيمة قلبك وهو يضمني في كل وقت".

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته