عندما تتحول زيارتك إلى مهرجان فاعرف إنك في الشهباء
2022.11.19
في منتدى رياض نداف الثقافي
جمانه طه- فينكس
بعد أن تم الإطمئنان على سلامة السيارة، خرجنا من جبلة في الساعة السابعة والنصف صباحًا في طريقنا إلى حلب يوم الإثنين 14/11/2022، الأستاذ طه زوزو وأنا وقائد الرحلة العزيز ممتاز العيطة. وبعد مداولة بسيطة عن الطريق الأفضل للسفر، انطلق بنا الخبير ممتاز على طريق الغاب مرورًا بخان شيخون والعديد من القرى التي لم أتبين أسماءها، لغياب اللافتات وخلو الأمكنة من الناس ومن كل معالم الحياة!
ما رأيته في تلك المنطقة، أمضّني نفسيًا وروحيًا، وأحزنني على وطني المعنّى من الإرهاب ومن التدخل الخارجي والفساد الداخلي. فجاءني صوت المتنبي منشدًا:
وسوى الروم خلفك روم/ فعلى أي جانبيك تميل
لكن الاشتياق للوصول إلى حلب المجيدة ومصافحة وجوه الأحبة المنتظرين، خفف من مشاعر الخيبة والأسى. كان التواصل هاتفيًا مستمرًا مع الأستاذة رياض، حتى مشارف حلب. وعند دوار "الحياة"، حصل اللقاء الأخوي المبهر معها ومع الأستاذ الشاعر إبراهيم كسار. ومن الدَوّار الشهير بمآسيه، ترافقنا إلى استراحة كانت واحة من المحبة وأناقة الضيافة في منزل العزيزين سامر أبو شالة وزوجته الفنانة أمل صانعة المجوهرات. وقد كرّمتني بإهدائي سلسلة رائعة من صنعها، تزينت نظارتي بها.
......
في الساعة الثانية عشرة وبدقة بندول، افتتحت الأستاذة رياض في منارة المحافظة الجلسة التاسعة والأربعين لمنتدى رياض نداف الثقافي بحضور مدهش من أصدقاء وأحبة كرام شعراء وأدباء كبار وتخصصات متنوعة، بالترحيب بالجميع وبنا بكلمات تميس سرورًا وجمالًا ومحبة. فقلت في نفسي: ذ
توالدت الزيارة.. مهرجانًا!
وكانت بداية البرنامج مع الأستاذ الجليل عبد الملك سيريس، الذي ألقى مشكورًا أبياتًا لطيفة ارتجلها للمناسبة أشاعت الأنس ونالت الإعجاب.
لتأتي بعدها كلمة ترحيبية حاشدة بلغة شعرية عالية من الشاعر محمد بشير دحدوح، عطّر بها أرواحنا بالمحبة والبسمة والفرح. واستمرت الجو الساحر مع صاحب الصوت الذهبي المطرب عبود شعبان، الذي يزين بحضوره المكان ويمنح القلوب البهجة والبهاء.
لننتقل بعد هذه الوصلة الشجية من القدود الحلبية إلى الأستاذ طه زوزو للاستماع إلى مداخلة مهمة عن مسيرته العلمية والعملية، وعن علاقته بالبيئة على وجه العموم والبحرية بالتحديد. فأخذنا معه إلى جبلة بحرًا وشطًا، حتى شعرنا وكأننا نرافقه في السباحة ونغوص معه في مغارة الحمام.
ومما زادنا سرورًا وغبطة القصيدة التي خصنا بها المبدع الكبير الشاعر محمد بشير دحدوح، وقال فيها:
عَرائشُ الضوءِ مسفوحًا على صرحِ لألاءةً بالوفاءِ الثَّرِّ تنسكبُ
على خُطاكم شَغافُ القلبِ رشرشَهَا عبيرُها الحبُّ يُشذيها السَّنا الزَّغبُ
ماستْ على سُندسِ الوجدانِ زَهوتُها فاسّاقطتْ دِيَمٌ واستمطرتْ سُحبُ
عرفانَ ما أُترعتْ نُبلًا نفوسُكم حرفًا وحبرًا بصافي الودّ تَختضبُ
بِكُمْ تقصَّبُ ثوبَ المجدِ مَفخرةً وتُرفلُ الكِبْرَ عُجبًا قَصَّهُ العَجَبُ
......
وتوالت المساهمات الإبداعية، فقرأت الأديبة يمان ياسرجي قصة بعنوان "لعبة الاختفاء"، وقرأ الأديب شهم شريف خاطرة بعنوان" لم فعلت هذا بي" وقصة بعنوان" جهاز الرقص". فحصدت الخاطرة والقصتان إعجاب الحضور وبعض المداخلات القيمة. وقبل أن تأتي فرصتي للتحدث عن رحلتي الأولى إلى أميركا وما جرى فيها من مواقف إنسانية وغير ذلك، شنف آذاننا المبدع الكبير الشاعر عبد الجّواد الصالح بقصيدة عصماء تصلح أن تكون ملحمة أو معلقة، عنوانها: "منذ ابتدا.
ومثله فعل صنوه المبدع الكبير الشاعر إبراهيم كسار، الذي أمتعنا أيضا بقصيدة تصح أن تكون معلقة، وعنوانها "نغم". والقصيدتان حافلتان بالمشهدية والرموز والصور، وتحتاجان إلى نقاد كبار للقراءة والتحليل.
......
وفي مطعم القمة تجلى الختام بطعام فاخر في أجواء عائلية راقية، عامرة بالمحبة والبهجة وطيب القلوب وجمال الوجوه ووئام الأرواح.
......
أي مارد من الجن اختطف رياض نداف إلى قصر الثقافة المسحور، ووضع في جيبه المفتاح.!
واللافت أن رياض لم تظهر أي احتجاج، ولم تفكر بالهروب. بل ظلت في وحدتها عاكفة على التفكير بحلم يناوش منامها، ويقلق يقظتها. حلم يحمل اسمها في منتدى ثقافي خاص بها، تجدد فيه بنيانًا أرست قواعده نساء سبقنها وكن رائدات في زمانهن. ورويدًا رويدًا عاد إليها المارد وفي يده المفتاح، وحجر الأساس للمنتدى. الكلمة في منتدى رياض نداف الثقافي صافية كمطر نيسان، وبشغف تهرول إلى مريديها في أثواب مقصبة بالقصة والشعر والرواية والنقد والفن الأصيل الراقي.
أما الأجمل في هذا المنتدى إلى جانب الثقافة والأدب والفن فهي المحبة الجامعة بين صاحبة المنتدى وأصدقائه، وكأنهم لُحمةٌ وسَّداة.