السيجارة والمرأة في السينما
2022.11.24
علي بدر- فينكس
السيجارة للمرأة رمز من رموز تحررها. السيجارة في يد حنا آرنت أو إنجيلا ديفيز، من رموز النسويات المفكرات في الستينيات والسبعينيات.
تحولت السيجارة في السينما إلى رمز الرومانتيكية الطاغية، فقد اعتمد المشهد الهوليودي على سلسلة مشحونة جنسياً من الحركات الأنثوية:
تجلس البطلة على الستول في البار، تبدو أمامك بكامل قوامها. ساقاها الطويلتان وفي النهاية حذاؤها بكعبه العالي، هاي هيلز، تمسك السيجارة بين السبابة والوسطى وتتلاعب بها بأصابعها الطويلة، ثم تضعها بين شفتيها المصبوغتين بالأحمر، ثم تطلق الدخان في الهواء ترمي شعرها للخلف، ترفع كتفيها ويبدو صدرها بارزاً للأمام، إنها إشارات جنسية قوية للأنوثة، بينما يعبر الرجل هو أيضاً بإيماءات جنسية للذكورة عبر السيجارة، دليله الواعي والأكيد للقوة والسيطرة. فهو يمسك السيجارة بطريقة متدلية، يسحب بقوة، يطفأ السيجارة
بحركة سريعة في المنفضة يسحقها تقريباً، بينما تطفأ المرأة سيجارتها بهدوء ويعبر في وجهه عن تعبير صارم.
بحركة سريعة في المنفضة يسحقها تقريباً، بينما تطفأ المرأة سيجارتها بهدوء ويعبر في وجهه عن تعبير صارم.إن عرض المغازلة هذا هو الذي عبرت عنه هوليوود، وقد أشيع في العالم، مشهد بحد ذاته حددته الثقافة الأميركية ذلك الوقت إلى حد كبير. فالتدخين ليس متعة فقط إنما هو ألعاب جنسية، ولعبت السجائر في الأفلام دوراً كبيراً في تثبيت دعائم الرومانسية في المغازلة والجاذبية الجنسية التي رققها المجتمع الحديث عبر أدواته الحضرية.
إعلانات السجائر تتضمن بمجملها لغة جنسية صممت للتعبير عن الجذب والاغواء، فتأخذ نوعاً من الرمزية الغامضة تحيل إلى عالم الذكورة والأنوثة، اعلان مارلبورو القوي، صورة رجل الكوبوي الذي يشعل السيجارة في الظلام من غصن محترق، لقد أصبحت السيجارة في العديد من المجتمعات العلمانية جزءاً لا يتجزأ من طقوس المغازلة الحضرية، هي شكل فعال أيضاً من كيفية التفكير بأنفسنا وبالآخرين.
لن نفهم السيجارة إذا حددناها فقط لإراحة الأعصاب، إنما هي الدعامة الخيالية من وجهة نظري للشخصية، فالتدخين هو نص يتكون حرفياً من نسيج من الإشارات المأخوذة من رموز معينة يستبنى مع الإيماءات والمواقف الجسدية وغيرها من الإجراءات.
يحدد الانثربولوجيون الاميركان ارتباط التدخين بالجاذبية الجنسية يعود إلى العشرينيات من القرن الماضي بعد سيادة مشهد ملهى الجاز الليلي في منهاتن ولوس أنجلس. فكانت نوادي الجاز هي هامش المجتمع، هي المكان الذي يذهب له الشباب للتحدث بسهولة والمغازلة والتدخين بعيداً عن أعين كبار السن.
وهكذا نشأت العلاقة بين التدخين والجنس في الذاكرة الجماعية الأميركية، التقطتها هوليوود وعممتها على العالم.
يذكر مؤرخو السينما بجيون ميلي، على سبيل المثال، الذي يهيمن مشهد "الملهى الليلي" على كل أفلامه، وأشهر ما صنعه هو صورة مقربة لعازف الساكسفون العظيم ليستر وهو يقوم بوضع سيجارة في فمه بحذر شديد، ثم يعلقها بين إصبع السبابة والوسطى وهو يعزف على أسلوب الجاز البطيء والناعم لجمهوره في وقت متأخر من الليل.
هذه الصورة كانت أفيش في حجرة كل شاب ذلك الوقت في أميركا.
وهنالك مشهد نادي الجاز أيضاً بواسطة مايكل كورتيز في فيلم الدار البيضاء حيث كانت السجائر هي السمة المرئية السائدة في مقهى ريك.
مشهد لا يُنسى: صورة (همفري بوغارت) المتهور وهو يتحدث مع إنغريد بيرغمان السكرانة، التي كانت ترتدي ملابس بيضاء وهو يعرب عن قلقه من حقيقة أنها قد شربت كثيرًا. وبينما هو يحذرها يخرج سيجارة من علبتها يشعلها ويتركها تتدلى من جانب فمه، هذه هي الصورة الذكورية الآسرة لعشاق السينما أوانذاك.
الصورة البوغارتية للسيجارة مستمرة حتى اليوم، استخدمتها أنا في مراهقتي في جميع الصور التي التقطتها مع السيجارة.
لكن ما أتذكره من تلك الأيام، أي أيام مراهقتي، هو مشاهدتي لفيلم بلو آب لمايكل أنجلو انطونيوني، تقوم فانسيا ردغريف برقصة روك على موسيقى أسطوانة يضعها صديقها في الغرامفون، ثم يناولها سيجارته التي كانت في فمه، تضعها ببطء في فمها، تستلقي على ظهرها بوقاحة، وهي تنفخ الدخان إلى أعلى، تعيد السيجارة له وتقهقه بشكل موح، يتناول السيجارة بالمشهد البوغارتي ذاته.
لقد اغرمت وربما إلى اليوم بالقوة المثيرة لأدائها في التدخين.