كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كتاب وألمانيتان

علي بدر- فينكس

في الطريق إلى سوق الهرج في بداية شارع الرشيد كان هنالك دكان لبيع الأنتيكات، عند الواجهة غرامفون قديم أكاسي اللون مصنوع في الاربعينيات أو الخمسينيات من شركة هومانيا الألمانية، كان العراقيون يسمونه الفونوغراف وقد اشترته العائلات البغدادية في الأربعينيات والخمسينيات أيام الاستعمار الانكليزي.
توقفت قليلاً لأستمع إلى أغنية لحافظ شيرازي يغنيها صوت تينور من أسطوانة تدور فيصعد الصوت في السماء مثل غيمة خفيفة الظل، بينما تهتز أوتار حنجرة المغني قليلاً مثل أوتار من الحرير. ربما كان يغني عن الوجود، فالوجود انعكاس مؤلم للأبدية. وهم من أوهام الكينونة، شبح من أشباح الماضي. حلم قديم من أحلام شاعر فارسي أو تركي مدمن على الأفيون.
آه كم أحب هذا الصوت الذي ينبعث من الحاكي القديم في هذا اليوم البغدادي المشمس وعيناي مثبتتان على الأسطوانة السوداء وهي تدور وتدور والصوت يشق الفضاء ويصعد بينما صاحب المحل يضع سيجارة في فمه والنظارة على طرف أنفه وهو يصلح علبة أسطوانات ذهبية من شركة تيفولا الألمانية.
المهم أن القصيدة التي يغنيها المطرب الفارسي مذهلة، مجهولة، غامضة لكنها تحكي عن الوجود وانعكاسه في الزمن القديم. مثل الناي في قصيدة لمولانا جلال الدين الرومي حين يبكي فإنه يبكي ألم الفراق عن الشجرة التي قطع منها.
ألم المنفى
شيء يذكر بترجمة جوزيف فون هامر بورغشتال المستشرق النمساوي لهذه القصيدة وهو في مدينة فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية في منتصف القرن التاسع عشر.
صبي اللغة الذي ارتدى العمامة يوماً وتمشى في شوارع القسطنطينية وهو ذاته الذي وجد وظيفة في بلاد فارس فذهب هناك ليشرب بيديه الماء المتدفق من حنفية قرب قبور الشعراء الفرس:
قرب قبر حافظ الشيرازي مثلاً أو قرب قبر سعدي أو عمر الخيام أو قرب قبر الشاعر صائب التبريزي.
لقد قرأت هذه الترجمة قبل عامين وثلاثة أشهر.
إنها الترجمة ذاتها الموجودة في الكتاب المخلّع الجلد الذي وصفته أنماري شمل المستشرقة الألمانية عندما حصلت عليه وهي في كامب الاعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية.
لقد اشتريتُ هذا الكتاب من سوق الكتب العتيقة والمستعملة، قبالة مقهى الشاهبندر، كان مرمياً على الأرض في الظل، وأنا في الشمس، فارتسم الخط المذهّب أمام عيني، فوضعتُ سيجارتي في فمي بهدوء وتناولته بيدي الاثنتين وقلبته، وعلى صفحة من صفحاته، بل في صفحته الأولى، كان هنالك توقيع الشخص الأول الذي اقتناه:
آنماري شمل. شعرت بيدي الاثنتين ترتجفان.
أنماري شمل ..يا إلاهي لقد قرأت لها كتاباً رائعاً أو كتابين رائعين: الأول هو ترجماتها لشعر محمد إقبال الشاعر الهندي، والثاني عن مولانا جلال الدين الرومي اسمه "شمس تبريز". ولكن كيف وصل كتاب بورغشتال الذي اقتنته آنماري شمل إلى هنا في بغداد. معجزة من المعجزات النادرة. أليس كذلك، ولكن الكتاب لا يحتوي فقط على اسم المقتني الأول إنما اسم المقتني الثاني للكتاب وهو ماريون فوغاتسكي.
من هي؟
ربما هي من أوصلت الكتاب هنا.
لا أعرف فيما إذا خطرت في بالي هذه الفكرة في وقتها أو تالياً. لقد أخذ الاسم الثاني الذي لم اكن اعرفه يتراءى أمام عيني مع التاريخ الذي وقعته تحت اسمها:
ماريون فوغاتسكي. بغداد 1955.
على العموم كنت أخذت الكتاب وذهبت به إلى البيت، وكنت أتسائل من هي ماريون فوغاتسكي.
عالم مركز أفندي
مع ذلك وبعيداً عن كل هذه الاحتمالات وأنا أقلب الورق الأصفر القديم ورائحة الزمن القديم وصورة هذا العالم الذي يتكاثف بين أوراقه قلت لسمير:
-أني مستسلم بالكامل لهذا العالم.
-أيّ عالم؟ هل هو عالم بورغشتال المستشرق الألماني الذي عاش في القرن التاسع، أم عالم انماري شمل؟
-لأسميه عالم سنبل أفندي.
فقد كان شيخ الطريقة الخلوتية في اسطنبول سنبل افندي يريد ان يعدّ خليفة له، فأرسل تلامذته ليجمعوا وروداً لتزيين الزاوية التي يجلس فيها فرجعوا كلهم بباقات من أجمل الورود، إلا واحد منهم هو مركز أفندي فقد أتى بوريدة صغيرة ذابلة، فقيل له:
ألم تجد لشيخك ما هو أليق بمقامه من هذه؟
فأجاب:
" نظرت فرأيت أن كل الأزهار مشغولة بتسبيح الله فكيف أقطع عليها تسبيحها؟ إلا واحدة وجدتها قد فرغت لتوّها من عبادته، فحملتها وأتيت. فكان هو الذي خلف سنبل أفندي.
الكلمة المفتاح
الآن عيناي على الغرامفون محفور على وجهته الجانبية اهداء من عمر الى ماريون.
هل هي ذاتها؟ خطر الاسم في بالي مباشرة. لم أتردّد في التفكير بها، الغرامفون ألماني وأنا أبحث عن ماريون ألمانية قطنت بغداد في يوم ما واقتنت الكتاب الذي كانت انماري شمل تقرأ به في معسكر اعتقالها في برلين وهو قصائد لمولانا جلال الدين الرومي مترجمة عن الفارسية بقلم جوزيف فون هامر بورغشتال.
وقفت أمام البائع. رفع رأسه. وجهٌ وسيمٌ لكنه متعبٌ.
سألته عن أسعار بعض الانتيكات. فأخذ يحدثني عن كل قطعة وتاريخها، وعندما وصل إلى الغرامفون فقد روى لي قصته كاملة فقد اشتراه في العام 1963 من امرأة ألمانية اسمها ماريون قتل زوجها الطيار عمر الأوقاتي في الانقلاب العسكري الذي حدث ضد الزعيم عبد الكريم قاسم، أي الانقلاب الذي أسدل الستار على ثورة تموز. هكذا قالها باهتمام كامل.
-وكيف بقي عندك حتى الآن؟
- احتفظت به طويلاً.
-ألهذا السبب تبيعه؟
-لا .ولكني بحاجة إلى المال، كما إني لا أبيعه إلى أي شخص.
-لم أفهم.
-أنا انتظر الشخص الذي يقدّره.
-وهل تعتقد إني هذا الشخص.
-نعم.
لم أسأله كيف عرفت، لأن لم يسأل أحد سنبل أفندي كيف عرف.
شعرت كما أشعر الآن بأن الأمر ينطوي على حقيقة من نوع معين، لقد شعرت أمامه بأني أنا الشخص الذي يمكنه أن يقتني هذا الجهاز، إذن هو محقٌّ فيما قال، حتى لو كان الأمر غامضاً. هذه واحدة من حقائق الحياة، نوع من الشعور السري الذي يحدث بين البشر، شيء لا يمكن تفسيره، ولكن يمكن قبوله، فهذا الشخص على نحو ما قد شعر بي، جاءه شعور غامض على ما يمكن أن تحدثه هذه القطعة علي، سوف تعطيني الالهام، فأنا لي دور في دورة من دورات التاريخ التي لا تنتهي وهكذا أدرك ما أنا عليه، وسأهتم بما سأكونه.
في البداية استمعت لهذا الشخص باهتمام كامل، لم أنطق بكلمة أمامه وفي دكانه الذي احتوى على انتيكات مختلفة، كنت كمن يعيش في زمن الستينات، فقد جعلني هذا الشخص الذي عاش ذاك الفضاء الزمني والسياسي والثقافي وأغرم به أشعر وكأني أني أعيش معه ذلك الزمن نفسه. إنه زمن ثورة تموز، وقد أحاطني بكل ما يخصّ أو ما يذكّر بثورة تموز، الستينيات، صور الزعيم قاسم، البيتلز، الفس بريسلي، ملابس من ماركة فنتيج، صور الهيبز، سجائر القنب المشتعلة على شفاه الفتيات، الغيتار المعلّق، صور جيفارا، ماو، صور سارتر، كل ما يخصّ ذلك العالم موجود في هذا المحلّ القديم والمهمل.
وحين طلبت منه أن يشرح لي تفاصيل أكثر عن الغرامفون الذي سأشتريه، تذكّر أمامي وهو يدخّن سيجارته، تفاصيل ليلة حاسمة في حياته، ذلك أنه عندما سافر في القطار من بغداد إلى الموصل مُزوَّداً بكتب ثمينة كان عليه بيعها لتجار الانتيكات في الموصل في شارع النجفي صادف هذا اليوم مع مقتل الزعيم قاسم بأيام، كان يتكلم ويتكلم وتحتشد أمامي أسماء عديدة وذاكرة مشتعلة عن جميع الأشخاص الذين التقاهم في الظلّ من المحرضين السياسيين والإرهابيين وتجار الأسلحة والمهربين ورعاة القتل ووسطاء الصفقات.
لقد نجا بنفسه من المذبحة في الثامن من شباط عندما وجد نفسه قد أوقعته السياسة في دائرة العنف المسكرة. ذكريات، مفاتيح، رحلات ذهاباً وإياباً مع شيء من غضب الناس على الآلهة وغضب الآلهة على الناس. فهنالك كما قال لي بين بغداد والبصرة والموصل عيون داكنة وإله غاضب يوجه ذكريات المسافر في الليل. يبدأ القطار ويبدأ المسافر جملة تكرارية ودورية وأثرية هائلة تستكشف الزمان والمكان لتعيد ترتيب القطع الصغيرة من جميع حروب الشرق الأوسط. فتتشكل أمامي شيئاً فشيئاً لوحة جدارية يختلط فيها الجلادون والضحايا، الأبطال والشعوب المجهولة والمرحّلة، المرتزقة والشهود، الرسامون والأدباء والمبشرون.
شيء من الذكريات التي تلت المذبحة الصامتة.
اشتريت الغرامفون وحملته بيدي دلفت من سوق الانتيكات باتجاه شارع الرشيد واجهتني بضعة أشجار تصطف على الطريق، تشبه الإله الذي يركع أمامه القساوسة المصلون. فتوقفت قليلاً مثل مدخن الأفيون وسحبت نفسي مرة أخرى وأنا أنظر السماء التي كانت صافية باستثناء بعض السحب الرفيعة النائية في الأفق، بينما أخذ النسيم القادم من النهر يهز ورق الأشجار فيستجيب له بأنين باهت.
كنت أسير أمام السراي القديم في بغداد وأفكر، خطواتي بطيئة. أتقي أشعة الشمس بالمسير قرب الحائط في الظل، فأشم رائحة الطابوق الرطب القديم، رائحة نفاذة. من يسير في شوارع بغداد القديمة، ويلجئ إلى الحائط مبتعدا عن الشمس سيلمس الطابوق الفرشي الرطب، رائحته، والبرودة التي تنفذ إلى الأعماق.
وحي قديم
ربما هو وحي قديم، ربما هو كلمة. من يعرف؟ لم أكن أعرف ذلك الوقت فيما إذا اسم ماريون فوغاتسكي هو الذي قادني إلى البحث في حياة الزعيم عبد الكريم قاسم، أو حياة الزعيم عبد الكريم قاسم هي التي قادتني للبحث عن حياة ماريون.
أما أنماري شمل فقد كنت أعرفها مثلما أعرف جروح الروح، الروح التي تتغذى من الإلهام الشعري في الشرق البعيد. المرأة ذات الملابس البسيطة والنظارات الدائرية والشعر الأبيض الكيرلي، الألمانية التي دفعتها الصوفية أن تجد طريقها مرّة إلى طهران مرّة إلى بغداد، مرّة إلى القاهرة مرّة الى قندهار قبل أن يضربها جذام الحروب والتعصب، مرة إلى كابل حيث قرأت شعر محمد إقبال. نعم إنها جروح الروح التي دفعتها في أمسية رائعة، وهي تقرأ قصائد مولانا جلال الرومي بترجمة بورغشتال وتتمنى أن تقرأها باللغة ذاتها التي كتبت فيها القصيدة، سحر الكلمات الذي يحملها على فراغ، إلى الغيم إلى الشمس.
بعد عامين سوف تحجز في معسكر اعتقال ويبقى كتاب بورغشتال معها.
ربما مع شيء من السائل المسكر، ربما مع قليل من الأفيون كان يقرأه شاعر آخر في مكان ما في هذا العالم. ويردّد أبياته في هذه العزلة الكونية العظيمة. 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني