البحث في أوراق الخديوي
2022.12.11
سامي مروان مبيّض
قبل أربع سنوات، أطلقت جامعة درهام البريطانيّة برنامج مِنح وزمالة للباحثين المُهتمّين بدراسة أوراق خديوي مصر الأسبق عبّاس حلمى الثانى، ابن الخديو توفيق، الذى حكم بلاده من سنة 1892ولغاية الإطاحة به من قبل الإنجليز عام 1914. كانت هذه الأوراق بحوزة مبرّة محمّد على، وقد أُودِعت فى جامعة درهام منذ سنة 1980.
ما يهمّنى من هذه الأوراق هو موضوع ترشُّح عبّاس حلمى الثانى لتولّى عرش سورية من قبل الفرنسيّين سنة 1932. جاءت هذه الفكرة بعد اثنتى عشرة سنة من الإطاحة بعرش الملك فيصل فى دمشق، وتعيينه ملكاً على العراق. فكَّرت فرنسا جدّيّاً فى استعادة النظام الملكيّ فى سورية، بعد تجربة فيدراليّة فاشلة، وقيام ثورة وطنية مُسلَّحة ضدّها استمرّت حتّى سنة 1927. ولكنّهم أصرّوا على ملك مُوالٍ لفرنسا فى دمشق، لا سيطرة للإنجليز عليه. ولأنّ سوريا خالية من «دم أزرق» وعائلات ملكيّة، قرّرت حكومة باريس البحث بين قائمة من الأمراء العرب، مثل الأمير فيصل بن عبد العزيز (ملك السعوديّة المستقبليّ)، والأمير سعيد الجزائريّ (حفيد الأمير عبدالقادر الجزائريّ)، حتّى إنّها بحثت فى غير العرب أيضاً، وطرحت اسم الداماد أحمد نامى الشركسيّ (صهر السلطان عبدالحميد الثانى)، وزوغو الأوّل ملك الألبان، الذى لم يكن يعرف شيئاً عن المنطقة، ولا يتكلّم اللغة العربيّة، وهنا ظهر اسم عبّاس حلمى الثانى منافساً لجميع هؤلاء، علماً أنّه كان منفيّاً فى سويسرا، ولم يكن قد زار سورية فى حياته.
كان الخديوي قد عرض نفسه قبل سنوات لحلّ مشاكل الشرق الأوسط، فقد عرض وساطة بين فلسطين وقادة اليهود فى أوروبا، وطالب باستقلال فلسطين، وبأن تصبح جزءاً من فيدراليّة عربيّة تضمّ كلّاً من سورية والعراق، بعد تحرير كلّ منهما من الحكم الفرنسيّ والبريطانيّ. عرف يومها العرض باسم «مشروع الخديوي»، ولكنّ العرب رفضوا المشروع، ووصفه الزعيم الفلسطينيّ عونى عبدالهادى بالكلام الفارغ طالما أنّ وعد بلفور لا يزال قائماً.
كلّ مشروعات الخديوي فى سورية وفلسطين لم ترَ النور، فقد أجهض الأوّل من قبل اليهود، والثانى من قبل الفرنسيّين أنفسهم، لصالح نظام جمهوريّ فى سورية، وانتخاب محمّد على العابد أوّل رئيس للبلاد فى صيف عام 1933. لا نعرف إن كان الخديوي قد ذكر احتمال تولّيه عرش سورية فى أوراقه الخاصّة. جدّه الكبير إبراهيم باشا (والد الخديوي إسماعيل، ونجل محمّد على باشا)، كان قد سلخ سورية عن الدولة العثمانية سنة 1832، وحكمها حتّى سنة 1841، أى أنّ بلاد الشّام لم تكن بعيدة عن مطامع الأسرة العلويّة.
بعض السياسيّين ذكروا فرضيّة وصول عبّاس حلمى إلى عرش سورية فى مذكّراتهم، مثل الأمير عادل أرسلان، الذى أصبح وزيراً فى دمشق فى الأربعينيّات. ويُحكى أنّ بعض أنصار النظام الملكيّ فى سورية ردَّدوا هتاف "الله حيّ...عبّاس جاي" الذى كان قد أطلق فى أزقّة القاهرة.
عبّاس حلمى نفسه لم يزر دمشق بعد طرح اسمه لتولّى عرشها، ولم يحاول استعادة أمجاد جدّه فى سورية. كما أنّه لم يحاول جمع السوريّين من حوله كما فعل ملك الحجاز الأسبق عليّ بن الحسين، أكبر أولاد الشريف حسين، الذى عدّ عرش سورية حقّا لأسرته بعد خلع شقيقه فيصل عن حكم الشّام سنة 1920. أفراد الأسرة الهاشميّة عملوا على وأد فكرة تولّى عبّاس حلمى عرش سورية، كما عارضها بشدّة كلّ المرشحين لهذا المنصب، وجمع من الجمهوريّين السوريّين، مثل محمّد على العابد والشيخ تاج الدين الحسنيّ والرئيس شكرى القوتلى، الذين رأوا أنّ عبّاس حلمى كان دخيلاً على عالمهم.
لو نجحت هذه التجربة - تدوير عرش البلاد العربيّة بين الأمراء - لغيَّرت تاريخ كلّ من سورية ومصر، ولكنّها فشلت، ولم تُدرس. لا نعرف موقف الملك فؤاد، حاكم مصر سنة 1932، من طرح اسم عبّاس حلمى لتولّى عرش سورية. هل عدّ ذلك تعزيزاً لنفوذ سلالة محمّد على فى العالم العربيّ، أم عدّ وصول خديوي مصر الأسبق إلى عرش الشّام تهديداً لعرشه فى القاهرة؟. كلّ هذه التساؤلات محقّة، ولعلّنا نجد أجوبة عليها فى أوراق الخديو المحفوظة بكلّ أمانة وحرص فى مكتبة جامعة درهام منذ سنة 1980.
—جريدة الأهرام يوم 21 تشرين الثاني 2022 تحت عنوان "أوراق الخديو عباس حلمى الثاني."