د. بهجت سليمان: سلسلةُ القادة العظماء.. نلسون مانديلا
{سلسلةُ القادة العظماء}
ـ 11 ـ
[نيلسونْ مانديلّا]
ولد نيلسون روليهلاهلا (مانديلا) في (18) تموز- يوليو من عام (1918م)، في قرية (مفيتزو- Mvezo )، في مقاطعة (أوماتاتا- (Umtatu ، في إقليم (ترانسكاي) في (جنوب أفريقيا)، في قبيلة (الهوسا- (Xhosa للعائلة المالكة (تهمبو)-Thembu.
إسمه (روليهلاهلا)، و يعني "نازع الأغصان من الشجر" أو بالعامية "المشاكس". و في السنوات اللاحقة أصبح يعرف باسم عشيرته، (ماديبا) أحد أجداده من جهة والده (نغوبنغوكا)الذي كان ملكاً على شعب (تيمبو) في أراضي (ترانسكاي) بمقاطعة (كيب الشرقية) الحديثة في جنوب أفريقيا. و هذا "الملك"، كان له إبن إسمه (مانديلّا) هو جد (نيلسون) و مصدر لقبه.
كان والداه أميين؛ ولكن والدته التي اعتنقت المسيحية أرسلته إلى المدرسة "الميثودية" (الطّرائقيّة) المحلية الواقعة بجانب "القصر" (قصر مملكة القبيلة)، حيث تلقّى "دروسه الابتدائية" في مدرسة داخلية منذ عام (1930م).
كان (مانديلّا) أوّل من تلقّى "التّعليمَ" في عائلته. و أمّا إسم (نيلسون)، فقد خلعه عليه "معلّمه" الذي كان يجد صعوبة في لفظ إسمه (روليهلالا)!
توفي والد (نيلسون مانديلا) و هو لا يزال في التاسعة من عمره، بمرض من أمراض الرّئة؛ و قد ورث عنه (مانديلّا)، لاحقاً، هذا المرض، إضافةً إلى ما ورثه عنه من "التّمرّد بفخر" و "شعور عنيد بالعدالة"، كما قال (مانديلّا)، نفسه، فيما بعد.
درس اللغة الإنكليزية و "التاريخ" و "الجغرافيا" و هو بعمر سبعة أعوام. و منذ أن أخذته أمّه إلى "المكان العظيم-" Great Place [قصر في (مكيكزوبي)] ليكون تحت رعاية "الوصي" على عرش (تيمبو)، الزعيم (يونجينتابا دالينديبو)؛ لم يرَ أمّه مرة أخرى، لسنوات طويلة.
في سنواته الأولى، هيمنت على حياته "العادات" و"الطقوس" و "المحرمات"؛ و كان (مانديلا) يتردد على الكنيسة كل يوم "أحَد" مع "الأوصياء"، حتى أصبحت للمسيحية مكانة خاصة في حياته؛ وكان يرعى قطعان الماشية.
صار في عهدة عمّه حتى أكمل تعليمه "الأوّلي"، و بدأ إعداده لتولي المنصب كملك على شعب "القبيلة" [التّيمبو]، محلّ والده.
أحب التاريخ الأفريقي، من خلال استماعه إلى حكايات الزوار المسنين إلى "القصر"، و تأثر بالخطاب المعادي للإمبريالية للزعيم (غويِيْه)- (Joyi). في وقتها كان يعتبر المستعمرون الأوروبيّون محسنين و ليسوا ظالمين!
في عمر (16) عاماً، سافر مع العديد من الأولاد الآخرين إلى (تايهالارها- (Tyhalarha للخضوع لطقوس "الخِتان" و هو رمز لانتقالهم من الطفولة إلى الرجولة. و رغبة منه في اكتساب المهارات اللازمة ليصبح المستشار الخاص لبيت تيمبو الملكي، بدأ مانديلا دراسته الثانوية في معهد (كلاركبري)(Clarkebury Boarding Institute) في (Engcobo)، و هي مؤسسة على النمط الغربي و أكبر مدرسة للأفارقة السود في (تيمبولاند)؛ و شجع الاختلاط القائم بين الطلبة على قدم المساواة، (نيلسون) في تغيير طبيعته "المنغلقة"، حيث بنى "صداقة مميزة" مع فتاة لأول مرة..، و بدأ في ممارسة الرياضة وطور حبّه للحدائق.
بدأ الإعداد لنيل "البكالوريوس" من جامعة (فورت هار). و هناك درس اللغة الإنكليزية و "الأنثروبولوجيا" و "السياسة" و"الإدارة المحلية" و "القانون الهولندي الروماني" في سنته الأولى، رغبة منه ليصبح مترجما أو كاتبا في وزارة الشؤون المحلية. و لكنه فُصِلَ من "الجامعة"، مع رفيقه (أوليفر تامبو)، عام (1940م) بتهمة الاشتراك في إضراب طلابي.
عاش (مانديلا) فترة دراسية مضطربة و تنقّل بين العديد من "الجامعات" ثم تابع "الدراسة" بالمراسلة من مدينة (جوهانسبورغ) [العاصمة]، و التحق بجامعة "ويتواتر ساند" لدراسة "الحقوق". نشأ (مانديلا) في أجواء سياسية تُنكر الحقوق السياسية و الاجتماعية والاقتصادية للأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا، مما كان له أثر كبير في تكوين شخصيته المعارضة لنظام الحكم في جنوب إفريقيا.
في عام (1942م) انضم إلى "المجلس الإفريقي القومي" الذي كان يدعو للدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء في جنوب السنغال.
كانت (جنوب أفريقيا) في تلك الفترة خاضعة لحكم يقوم على "التمييز العنصري الشامل"، إذ لم يكن يحق للسود الانتخاب و لا المشاركة في الحياة السياسية أو إدارة شؤون البلاد. بل أكثر من ذلك كان يحق لحكومة الأقلية البيضاء أن تجردهم من ممتلكاتهم أو أن تنقلهم من مقاطعة إلى أخرى، مع كل ما يعنيه ذلك لشعب (معظمه قبليّ) من انتهاك للمقدسات وحرمان من حق العيش على أرض الآباء و الأجداد و إلى جانب الأهل و أبناء النسب الواحد.
[تزوج (مانديلا) من زوجته الأولى (إيفيلين ماس) عام (1944م)، و لكنهما انفصلا عام (1957م) بعد أن أنجب منها ثلاثة أطفال. و في عام (1958م) تزوج من (ويني ماديكيزيلا) التي كان لها دورٌ نشط في "حملة طالبت" بإطلاق سراح زوجها من السجن، إلا أنهما انفصلا عام (1992م)، ليتزوج و هو في الثمانين من العمر بأرملة رئيس (موزمبيق)، (غراسا ماشيل).].
في عام (1947م)، تم انتخاب (مانديلا) لعضوية اللجنة التنفيذية لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في (ترانسفال) [ترانسفال (Transvaal) مقاطعة سابقة كانت تقع في شمال شرق جنوب أفريقيا] تحت قيادة "الرئيس الإقليمي" (CS Ramohanoe) ؛ و عندما عمل (Ramohanoe) ضد رغبات "اللجنة التنفيذية" لـ (ترانسفال) و تعاون مع "الهنود" و"الشيوعيين"، كان (مانديلا) أحد الذين دفعه إلى "الاستقالة القسرية".
في عام (1948م) أنتصر "الحزب القومي" في الانتخابات العامة، وكان لهذا الحزب، الذي يحكم من قبل البيض في جنوب إفريقيا، بواسطة خطط و سياسات عنصرية، منها سياسات "الفصل العنصري"، و إدخال تشريعات عنصرية في مؤسسات الدولة. بسبب تخصيص الكثير من وقته للسياسة، فقد فشل (مانديلا) في سنته النهائية في (يتواترسراند) ثلاث مرات في دراسته للحقوق، و حرم في نهاية المطاف من نيل "الشهادة" في كانون الأوّل- ديسمبر عام (1949م).
في عام (1950م)، انتخب (مانديلا) رئيسا لـ"حزب المؤتمر الوطنيّ الأفريقيّ" (ANCYL)، في المؤتمر الوطني للحزب في كانون الأوّل- ديسمبر عام (1951م)؛ و حيث واصل التذرّع ضد "الجبهة المتحدة ضد العنصرية"، فقد خسر في الانتخابات.
بعد ذلك، غير نظرته بأكملها، و أقرّ بنهج الجبهة؛ متأثراًبأصدقائه مثل (موزس كوتان) (Moses Kotane)، و بدعم "الاتحاد السوفييتي" لحروب التحرير الوطنية؛ و بهذا يكون (مانديلا) قد تجاوز "نظرته السّيئة" للشيوعية أيضا.
صار متأثرا بأفكار (كارل ماركس) و (فريدريك أنجلز) و(لينين) و (ستالين) و (ماو تسي تونغ)، كما آمن بـ"المادية الجدلية" [و هي إحدى مكوّنات نظريّة "الشّيوعيّة"..].
في نيسان- أبريل من عام (1952م)، بدأ (مانديلا) العمل في مكتب (HM Basner) للمحاماة؛ و كان لزيادة التزامه بالعمل و النّضال أن قللت من الوقت الذي يقضيه مع عائلته.
و في العام نفسه (1952م)، بدأ "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" استعداداً للانضمام إلى حملة تحدٍّ لنظام الفصل العنصري مع المجموعات "الهندية" و "الشيوعية"، و تأسس "مجلس التطوع الوطني" لتجنيد المتطوعين. اتخذ قرار بمقاومة "لا عنفية" (سلميّة) بتأثر بحركة (المهاتما غاندي)، ما اعتبره البعض بأنه خيار أخلاقي، في حين اعتبره (مانديلا) واقعية. وفي "رالي (ديربان)" في (22) حزيران- يونيو من العام نفسه، ألقى (مانديلا) خطاباً أمام حشد من (10) آلاف شخص، شكل انطلاقة لحملة الاحتجاجات، فالقي عليه القبض بسببها واعتقل لفترة وجيزة في "سجن ساحة مارشال".
و بتزايد الاحتجاجات، نما عدد المنتسبين لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي من (20000) عضواً إلى (100000)؛ و ردّت "الحكومة" على الاحتجاجات بالاعتقالات الجماعية، و إصدار "قانون السلامة" العامة في (1953م)، للتمكّن من تطبيق "الأحكام العرفية".
و في أيّار- مايو من عام (1953م)، حظرت السلطات على رئيس (ANU) (حزب المؤتمر) في (ترانسفال) (ماركس) (J. B. Marks) الظهور العلني؛ فلما أحسّ بعدم قدرته على الحفاظ على موقفه، أوصى بمانديلا خليفة له. و انتخب (مانديلا) رئيسا إقليميا في تشرين الأوّل- أكتوبر.
في (30) تموز- يوليو (1952م)، كان أن اعتقل (مانديلا) تحت عنوان "قانون قمع الشيوعية"، مع (21) من رفاقه، و من بينهم (موروكا) و (سيسولو) و (دادو)، في (جوهانسبرغ). حكم عليهم بتهمة "الشيوعية التنظيميّة" بعقوبة الأشغال الشاقة لتسعة أشهر" مما جعل رئاسته لـ(ANU) في (ترانسفال) غير عملية.
تلاشت حملة الاحتجاجات في أيلول- سبتمبر عام (1953م)؛ و قرأ أندرو كونين خطابا لمانديلا بعنوان "لا طريق سهل إلى الحرية"، في تجمع للمؤتمر الوطني الأفريقي بـ(ترانسفال). و اقتبس العنوان من "زعيم الاستقلال الهندي" (جواهر لال نهرو)، الذي أثر في فكر (مانديلا). و قاد الخطاب لخطة طوارئ في حال حظر المؤتمر الوطني الأفريقي. و تضمّنتْ "خطة (مانديلا)" هذه تقسيم "المنظمة" إلى "خلايا" بقيادة أكثر مركزية.
في العام (1953م) [مع أنّه لم يكنْ قد حصل على شهادته في "القانون"..!] حصل (مانديلا) على عمل كمحام في شركة (Terblanche and Briggish)، قبل أن ينتقل إلى (هلمان و ميشال) ذات النهج الليبرالي، كما اجتاز الامتحانات المؤهلة ليصبح "مدعيا عاما".
في شهر آب- أغسطس من عام (1953م)، افتتح (مانديلا) و(أوليفر تامبو) [رفيقه و صديقه القديم] شركتهم الخاصة للمحاماة "مانديلا و تامبو"؛ و نشطت في وسط مدينة (جوهانسبرغ). كانت الشركة الوحيدة في مجال القانون التي يديرها الأفارقة في البلاد، و اشتهرت بين "السود" المظلومين، وغالبا ما تعاملت مع قضايا "وحشية الشرطة".
لم تعجب هذه الشركة السلطات، و اضطرت "الشركة" إلى الانتقال لمكان بعيد بموجب قانون مناطق المجموعات؛ ونتيجة لذلك انخفض عدد زبائنها.
اعتباراً من هذه الفترة وصل (مانديلا) إلى تصور حول "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" يقضي بأنه "لا بديل عن مقاومة مسلحة و عنيفة"، بعد أن شارك في الاحتجاج الفاشل لمنع هدم ضاحية السود في (صوفياتاون جوهانسبرغ).
في شباط - فبراير من العام (1955م) أشار على (سيسولو) بطلب الأسلحة من "جمهورية الصين الشعبية"، ولكن "الحكومة الصينية" اعتقدت بأن "الحركة" غير مستعدة لخوض حرب عصابات ضد نظام الفصل العنصري.
في (5) كانون الأول- ديسمبر عام (1956م)، اعتقل (مانديلا) إلى جانب معظم "المجلس التنفيذي" لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي بتهمة "الخيانة العظمى" للدولة. و احتجز في سجن (جوهانسبرغ) وسط احتجاجات واسعة،
بدأت المحاكمة بالخيانة رسميا في (بريتوريا) في آب-أغسطس عام (1958م). و في تشرين الأوّل- أكتوبر، سحبت "النيابة" لائحة الاتهام، لتقدمها بصيغة "معدلة" في تشرين الثّاني- نوفمبر، متهمة "جميع" قادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بالخيانة العظمى بحجة دعوتهم لثورة عنيفة. و أطلق سراح "الموقوفين" بعد إنهاء العمل بقانون الطّوارئ.
في تلك الفترة أصبح (مانديلا) قائدا لحملات المعارضة والمقاومة. كان في البداية يدعو للمقاومة غير المسلحة ضد سياسات التمييز العنصري. لكن بعد إطلاق النار على متظاهرين عُزّل في عام (1960م)، و إقرار قوانين تحظر الجماعات المضادة للعنصرية، قرر (مانديلا) و زعماء "المجلس الإفريقي القومي" فتح باب "المقاومة المسلحة".
ترسّخت قناعات (مانديلّا) بأنّ على "حزب المؤتمر" تشكيل جماعة مسلحة للتحكم في توجيه "بعض هذا العنف"، مقنِعاً بذلك كلاً من "زعيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" (ألبرت وثولي) الذي كان أخلاقيا معارضا للعنف، و مجموعات من الحلفاء الناشطين.
كانت قناعات (مانديلّا) مستوحاة من حركة (26) تموز-يوليو التي قادها (فيدل كاسترو)، و أشعلت "الثورة الكوبية".
في عام (1961م) شارك مانديلا في تأسيس "أومكونتووي سيزوي" ("رمح الأمة") مع (سيسولو) و "الشيوعي" (جو سلوفو)، و أصبح (مانديلا) رئيساً لجماعة مسلحة؛ حيث قرأ (ماو تسي تونغ) و (تشي غيفارا) حول "حرب العصابات". رسميا، كانت المجموعة منفصلة عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، لكنها أصبحت في السنوات اللاحقة جناحه العسكري.
اعتمدت هيكلية المنظمة ("رمح الأمّة") على "الخلايا"، وتأيد "العنف المسلّح" لممارسة أقصى قدر من الضغط على الحكومة.
في (5) آب- أغسطس ما عام (1962م)، اعتقلت الشرطة (مانديلا)، و سجن في "سجن مارشال سكوار" بـ(جوهانسبرغ)، ثمّ نقل إلى (بريتوريا)؛ و في زنزانته بدأ في دراسة بالمراسلات للتحضير لـ "ليسانس الحقوق" (بكالوريوس في القانون) من جامعة (لندن).
في جلسة الاستماع في (15) تشرين الأوّل- أكتوبر رفض (مانديلّا) استدعاء الشّهود، فتحوّلت مرافعته إلى "خطاب سياسيّ". اعتبرت المحكمة (مانديلا) مذنبا، وحكمت عليه بالسجن لخمس سنوات.
في (11) تموز- يوليو عام (1963م) داهمت "الشرطة"مزرعة (يليسليف) واعتقلت من وجدتهم هناك، و اكتشفت أوراقا توثق أنشطة "رمح الأمّة"، و التي ورد فيها إسم (مانديلا). بدأت بعدها "محاكمة ريفونيا" في "المحكمة العليا" في (بريتوريا) في 9 تشرين الأوّل- أكتوبر، و اتهم (مانديلا) ورفاقه بأربع تهم بالتخريب والتآمر للإطاحة بالحكومة باستعمال العنف. و طالب كبير ممثّلي الادّعاء بإنزال "عقوبة الإعدام" بالمتّهمين.
اعترف (مانديلا) و "المتهمون الآخرون" بتهمة التخريب ولكنهم نفوا أي موافقة على اشعال حرب عصابات ضد الحكومة. واستخدموا المحاكمة لتسليط الضوء على قضيتهم السياسية، في إحدى خطب (مانديلا) المستوحاة من خطاب (كاسترو) ("التاريخ سيغفر لي") التي تناقلتها على نطاق واسع "التقارير الصحافية" على الرغم من الرقابة الرسمية.
استرعت "المحاكمة" الاهتمام الدولي، مع دعوات دولية لإطلاق سراح المتهمين صدرت من مؤسسات مثل "الأمم المتحدة" و"مجلس السلم العالمي". صوتت جامعة اتحاد لندن على (مانديلا) "رئيساً" لها، و نظمت وقفات احتجاجية ليلية أمام كاتدرائية سانت بول في (لندن). ومع ذلك، تجاهلت حكومة جنوب أفريقيا جميع طلبات الرأفة، معتبرة بأن المتهمين هم محرضين شيوعين عنيفين.
في (12) حزيران- يونيو عام (1964م) اعتبر القاضي (دي ويت) كلاً من (مانديلا) و إثنين من "المتهمين"، "مذنبين"،في "التّهم" الأربع، و حكم عليهم بالسجن مدى الحياة بدلاًمن الإعدام. نقل (مانديلا) و زملائه "المتهمون" من (بريتوريا) إلى سجن في جزيرة (روبن آيلاند)، حيث بقوا هناك لمدة 18 سنة.
في الليل، كان يتابع التّحضير لشهادة "ليسانس الحقوق". منعت عنه الصحف، و كان أن حُبِسَ "انفراديا" في عدة مناسبات لحيازته قصاصات أخبار مهربة. بعد تصنيفهكسجين بأدنى درجة مراقبة (الدرجة D)، سمح له بزيارة واحدة و رسالة واحدة كل ستة أشهر، في ظل رقابة صارمة على كل بريده. و على رغم "مسيحيّته" و حضوره "قدّاس الأحد"، درس (مانديلّا)، في سجنه، "الإسلام"!
بحلول عام (1975م)، أصبح (مانديلا) ضمن "الفئة (A)" من السجناء، فسمح له بعدد أكبر من الزيارات و الرسائل. وتراسل مع نشطاء مناهضين للفصل العنصري مثل (مانغوسوتوبوثيليزي) و (ديزموند توتو)، و في العام نفسه ، بدأ كتابة "سيرته الذاتية"، و التي كانت تُهرّب إلى (لندن)، من دون نشرها؛ و اكتشفت سلطات السجن عدة صفحات، فأوقفت "امتيازاته الدراسية" لمدة "أربع سنوات"، ما دفعه إلى تكريس وقت فراغه في زراعة الحدائق و قراءة ما يصل إليه، حتى استأنف دراسته للحقوق في عام (1980م).
في نيسان- أبريل عام (1982م)، تم نقل (مانديلا) إلى سجن بولسمور (Pollsmoor) في (توكاي، كيب تاون) مع كبار قادة "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي".
تصاعدت أعمال العنف في أنحاء البلاد، و ازدادت المخاوف من "حرب أهلية". و تحت ضغط من "اللوبي الدولي"،توقفت البنوك متعددة الجنسيات عن الاستثمار في جنوب أفريقيا، مما أدى إلى ركود اقتصادي. طالب العديد من البنوك،كما طلبت (تاتشر) من (بوتا) [بيتر بوتا (الملقّب) بـ "التّمساح الكبير"، رئيس جنوب أفريقيا من عام (1978م) إلى عام (1989م)]، باطلاق سراح (مانديلا) - المشهور عالميا - لنزع فتيل الوضع المتفجر.
و على رغم اعتباره لـ (مانديلا) بأنه ماركسيّ متشدّد وخطر، إلّا أن (بوتا) عرض على (مانديلّا) في شباط- فبرايرعام(1985م) الإفراج من السجن بشرط "التخلي عن العنف كسلاح سياسي دون قيد". رفض (مانديلا) "العرض"، و أصدر بيانا عبر إبنته (زندزي) افتتحه بقوله:
"ما هذه الحرية المعروضة عليّ، في حين أن "منظمة الشعب" [ANC] لا تزال محظورة؟ فقط الأحرار يمكنهم التفاوض. و ليس سوى الرجال الأحرار. لا يمكن للسجين أن يُبرم العقود"!
عادت الحركة المناهضة للفصل العنصري للمقاومة والكفاح، و استعمل "الجيش" و الفرق "شبه العسكرية اليمينية" لمحاربة المقاومة، و مولت الحكومة سرّاً "حركة الزّولوانكاثا" (القومية) لمهاجمة أعضاء "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"، لتزيد وتيرة العنف.
تعافى (مانديلّا) من مرض "السّلّ" الذي أصيب به جراء الشروط الصحية المتدهورة لزنزانته. و في كانون الأوّل- ديسمبرعام (1988م)، نقل (مانديلّا) إلى "سجن فيكتور فيرستر"بالقرب من (بارل). هناك، وجد راحة نسبية في منزل الحراس مع طباخ شخصي، و استغلّ الوقت للتحضير لشهادة "ليسانس الحقوق"، و قد بلغ السّبعين من العمر..!!؟
و هنا سُمح للكثيرين بزيارته، فأجرى (مانديلا) من خلالها اتصالات سرية مع زعيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقيالمنفيّ (أوليفر تامبو) [رفيقه و صديق عمره!]. في خطوة مفاجئة، دعا (بوتا)، (مانديلّا) إلى "جلسة شاي"، في تموز- يوليو عام (1989م)، و اعتبر (مانديلا) هذه "الدّعوة" مناسبة رائعة. بعد (ستة) أسابيع انتقلت "رئاسة الدولة" من (بوتا) إلى (دي كليرك). و اعتقد الرئيس الجديد بأن نظام الفصل العنصري غير قابل للاستمرار، فأطلق سراح جميع سجناء "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"، دون قيد أو شرط، باستثناء (مانديلا)!
بعد "سقوط جدار برلين"في تشرين الثاني- نوفمبر عام (1989م) قرّر (دي كليرك)، بعد اجتماع مع أعضاء "مكتبه الخاصّ"، الإفراج عن (مانديلّا)؛ و في (11) شباط- فبراير من العام (1990م) أطلقت حرّية (نيلسون مانديلّا)، دون قيد أو شرط ، بعد أن قضى أكثر من (27) عاماً في السجن. باشر (مانديلّا) من جديد نضالاته و تحرّكاته السّياسيّة، و في العام (1993م) منح جائزة (نوبّل) للسّلام.
في (27) نيسان- أبريل أجريت انتخابات عامّة، في (جنوب أفريقيا)، و فاز "حزب المؤتمر الوطنيّ الأفريقيّ"بالانتخابات. في (10) أيّار- مايو من العام (1994م)، تمّ تنصيب (نيلسون مانديلّا)، رئيساً في (بريتوريا)، عن عمر ناهز الـ (76)عاماً. عام (1997م)، تنازل (مانديلّا) عن زعامته لحزبه (حزب المؤتمر الوطنيّ الأفريقيّ)، و كان ذلك بمثابة تنازل عن رئاسة البلاد. في عام (1998م)، احتفل (مانديلّا) بعيد ميلاده الـ (80)، و في الوقت نفسه أقام فيه حفلاً لزواجه الثّالث..، و اعتزل الحياة السيّاسيّة، بعد خطاب وداعه الذي ألقاه في (29) آذار-مارس عام (1999م)، و عاش ما تبقّى له من عمر، حياةً عائليّة هادئة.
غادر (مانديلّا) الدّنيا في (5) كانون الأوّل- ديسمبر ، عام (2013م)، عن عمر ناهز ال (95) عاماً. (نيلسون مانديلّا) أيقونةٌ من أيقونات النّضال السّياسي ّفي القرن العشرين، قضى حياته سياسيّاً و ثوريّاً و مناضلاً مناهضاً للتمييز العنصريّ، و نظام "الفصل العنصريّ"، في (جنوب أفريقيا). ما زالت و ستبقى عزيمته النّضاليّة مثالاً خالداً للبطولة و الوقوف في وجه الظّلم العالميّ، و بحثاً عن قيم التّحرّر و العدالة في العالم و التّاريخ.
و ل (مانديلّا) أقوالٌ خالدة:
- إننا نقتل أنفسنا، عندما نضيّق خياراتنا في الحياة
- التسامح الحق، لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل.
- العظمة في هذه الحياة، ليست في التعثّر، و لكن في القيام بعد كل مرة نتعثر فيها.
- لا يوجد شيء مثل العودة إلى المكان… الذي يبقى بدون تغيير، لتجد فيه ما عدلته بنفسك.
- إنّ الانسان الحرّ كلما صعد جبلاً عظيماً، وجد من ورائه جبالاً أخرى يصعدها.
- الحرّية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حراً أو لا يكون حراً.
- الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة.
- أما جسم الإنسان فيتكيف مع أي ظروف قاسية، كما أنّ المعتقدات الرّاسخة هي سرّ البقاء في ظروف الحرمان.
- إني أتجول بين عالمين ، أحدهما ميت والآخر عاجز أن يولد.. وليس هناك مكان حتى الآن أريح عليه رأسي.
- إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإنني سأقوم بالممارسات نفسها ،التي سجنت من أجلها.