كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ست دقائق...

سامي مروان مبيّض
فى وطننا العربى مجموعة أساطير وخرافات، منها ما يُنسب عادة إلى منظمة اليونيسكو، بأن المواطن العربى لا يقرأ أكثر من ست دقائق سنوياً. ست دقائق تعنى 1600 كلمة تقريباً، أو أربع كلمات فى اليوم الواحد. الجميع، ومن دون استثناء، يتعاملون مع هذه المعلومة على أنها حقيقة دامغة غير قابلة للنقاش، ولكن أحداً لم يكلف خاطره ويبحث عنها فى دراسات وتقارير اليونيسكو، المتوفرة بكل اللغات على شبكة الإنترنت.
أمضيت أياماً وأنا أبحث فى كل مخرجات اليونيسكو، ويمكننى القول… وبثقة مطلقة… إن هذه النسبة المئوية غير موجودة وأنها لم تصدر عن الأمم المتحدة.
يوجد تقرير لليونيسكو يعود إلى العام 2007، فيه معلومة قريبة، بأن عدد النشاطات اللا صفية للطفل العربى لا تتجاوز الست دقائق سنوياً، بالمقارنة مع 12 ألف دقيقة للطفل الغربي. وقد يكون شخص ما قد حرفها بهذا الشكل الفاضح، إمّا عن جهل، أو سوء نيّة.
ولو نظرنا بعمق إلى المقولة، نجد أنها عرجاء من الأساس لأن منظمة اليونيسكو تكون دقيقة عادة فى تقاريرها، ولكن هنا هي لا تحدد نوعية القراءة التى لا تتجاوز الست دقائق.
هل تشمل تصفح الفيسبوك والتويتر، أم الصحف، أم الكتب فقط؟ وقد أضيف إليها قول مأثور وغير دقيق، يُنسب عادة لرئيس الوزراء الإسرائيلى إسحاق رابين، عند سؤاله ذات يوم، إن كان يخاف من العرب، وكان جوابه: "كلا لا خوف منهم بالمطلق، فنصف سكان العالم العربى لا يقرأ والنصف الآخر لا يفهم ماذا يقرأ."
لسنا بصدد الدفاع عن القراءة فى الوطن العربي، فهى وبلا أى شك متدنية جدا وقد تراجعت كثيرا عما كانت عليه فى النصف الأول من القرن العشرين. علينا ألا ننسى ظروف النشر فى عالمنا العربي، التى لا تساعد على القراءة. الناشرون العرب يعانون من رقابة صارمة وطاردة للإبداع، مع ضعف القوة الشرائية لدى القارئ العربى وارتفاع كبير فى سعر الورق، ما يزيد من تكلفة الطباعة والنشر. إضافة طبعاً لمصيبة القرصنة، الغائبة عن عالم النشر فى الغرب، حيث إن أى كتاب وبعد صدوره بأيام، يتم نسخه وتوزيعه مجانيا بصيغة PDF. وفى ظلّ غياب قانون يحمى حقوق المؤلفين والناشرين، تُصبح هذه النسخة المقرصنة هى الرائجة بين القراء، التى لا تعود بأى ربح مادي، لا على الناشر ولا على المؤلف. وهنا يسأل الناشرون: لماذا أنشر، ولمن أنشر؟
بحسب اتحاد الناشرين العرب، فإن الوطن العربى يُصدر 70630 عنواناً جديداً سنوياً، وهو رقم هزيل بالنسبة لأمة شعّت نوراً ومعرفة على العالم كله (فى الماضى البعيد) وقد وصل عدد سكانها اليوم إلى 436 مليون نسمة. معظم المؤلفات العربية تكون كتباً دينية أو تاريخية، تتحدث عن الماضي، لا عن المستقبل.
دعونا نقارن بينها وبين منتج البلدان القريبة والبعيدة. جمهورية الصين الشعبية مثلاً، تصدر 440 ألف كتاب جديد سنوياً، عن العلوم والتكنولوجيا الحديثة والاقتصاد، وهو رقم يفوق ناتج الولايات المتحدة الأمريكية (304 ألف عنوان سنوياً). فى بريطانيا 188 ألف عنوان جديد كل سنة، تليها روسيا بمئة ألف كتاب.
أما فى عالمنا العربي، وبحسب آخر إحصاء، تأتى مصر فى المرتبة الأولى (23 ألف كتاب سنوياً)، يليها العراق (8400 كتاب) ومن ثم السعودية (8121 كتاب). ذات يوم، كان لبنان فى مقدمة هذه الدول، فى ستينيات القرن الماضي، ولكن إنتاجه سنة 2019 لم يتجاوز 7479 كتاب، ومن المؤكد أن هذا الرقم قد تراجع كثيرا فى السنوات القليلة الماضية، وفى الدول التى تعانى من حروب، يأتي اليمن فى المرتبة الأدنى (495 عنوان سنوياً)، وبعده ليبيا (767) عنواناً، ومن ثم سورية (1050).
هذه الأرقام ليست مرضية، وعليه يجب رفع الراية الحمراء فى كل عاصمة عربية، تحذيراً من المستقبل. نحن فى حالة تراجع جماعى رهيب، وانهيار على كل المستويات، ولكننا لم نصل بعد إلى معدل الست دقائق من القراءة سنوياً. ربما نكون قريبين منه وياخوفي أن نتجاوزه قريباً، لو بقينا على هذا الحال.

- نشر في جريدة الأهرام يوم 24 شباط (فبراير) 2022

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني