كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل قُتل الملك فيصل الأول؟

علي بدر- فينكس:

وصل الملك فيصل ومرافقوه في القطار إلى مدينة برن السويسرية. كان الوقت مساءً. مطرت السماء مطراً خفيفاً فغسلت أرضية المحطة، وانبعثت روائح طيبة من الأشجار. هبط الملك في المحطة المزدحمة، الرجال يرتدون القبعات والخدم يحملون الحقائب الكبيرة. شرطة في الباب تصطف مع أسلحتها المشكوكة الحراب على الجانبين لتحيته، محافظ المدينة وزوجته في مقدمة المستقبلين وهم أكثر من عشرين شخصاً من الشخصيات المهمة في المدينة من بينهم الطبيب كوشر الذي تلقى برقية من ملكة بريطانيا للاهتمام بالملك. تم نقل الوفد الملكي إلى فندق غراند بلفيو بالاس في برن. وهو فندق تعبق غرفه برائحة الخشب، وتنفتح على شرفات طويلة تطل على الشارع الرئيسي. تحدث بحماسة مع ربان المركب الذي سيقلّهما عبر القنوات بدءاً من صباح اليوم التالي. يقع الفندق في مكان مثالي بين المباني الفيدرالية السويسرية ونهر آر. تم تزيين العاصمة السويسرية الهادئة بربعها التاريخي الذي يعود للقرون الوسطى بالأضواء للاحتفال بـ"أسبوع الكهرباء". ضم الوفد المرافق لفيصل عدة وزراء بالإضافة إلى أخيه الأكبر علي ملك الحجاز السابق الذي فقد مملكته عام 1925 بعد شهور قليلة فقط من ارتقائه على العرش لقوات الحاكم النجدي عبد العزيز بن سعود. كان الملك فيصل متعباً وبعد فترة وجيزة من عودته إلى فندق قصر بيلفو، بدأ في استقبال زواره العرب ولا سيما من فلسطين وسوريا ولبنان. استيقظ صباحاً بعد فطوره في حديقة الفندق انتقل إلى الصالة كان الأخوان أرسلان بانتظاره عادل وشكيب وإلى جانبهما السياسي السوري إحسان الجابري. تفاجئ الملك برؤيته، لم يتعرف عليه في البداية: -أأنت إحسان...؟ -نعم جلالة الملك.
تعانقا. كان الملك قد تعرف عليه خلال الحرب العالمية الأولى وأثناء حكمه قصير الأمد في سوريا، عندما كانت فكرة المملكة العربية المستقلة التي تغطي معظم الشرق الأوسط العربي، تحت حكم فيصل وعائلته الهاشمية. واصل فيصل إظهار سلطته في الدفاع عن القضية العربية الأوسع ونجح في المناورة ضد القوى العظمى لتحقيق درجة من الاستقلال لبلاده. كان لا يزال يفي بوعده، مهما كان بعيداً، بأن يكون القائد الذي يمكنه أن ينقذ العرب من العبودية. ثمة زوار آخرون مرتبطون بالعراق أو بالكفاح من أجل التحرر العربي.
سافر الملك فيصل الأول إلى لندن ومن ثم انتقل الى سويسرا من أجل الاستجمام والاستشفاء. كانت أيام فيصل في بيرن تتوزع بين استقبال الضيوف، وقضاء الأمسيات مع حاشيته وأصدقائه وهم يشاركونه في ألعاب البريج أو الشطرنج أو لعب كرة الطاولة. في ذلك الوقت، لم يكن رجال الشرق الأوسط، أو غيرهم من الرجال يصطحبون نساءهم أثناء السفر. مع ذلك التقى الملك مع فتاة شقراء طويلة تدعى الآنسة ريد، والتقى الآنسة نيلسون وهي ملكة جمال، سليلة اللورد نيلسون حيث كانت ترافق والدها المريض في الفندق. وهنالك سيدة هندية تدعى بابسى بافري، هي ابنة رئيس طائفة البارسي في بومباي، كانت تقيم أيضاً في قصر بلفيو مع شقيقها، الدكتور جال بافري وقد انضما إلى حاشية الملك فيصل. ذكر شكيب أرسلان لأخيه وهما عائدان من الفندق:
-ألا تلاحظ علامات التعب على الملك؟ -نعم ولكن لا تزال الصحة واضحة على وجهه. -إنه لا يأكل... تقريباً.. -هو لديه نظام غذائي صحي كما قال. -قال أنه يأكل البرتقال والبيض والقهوة فقط أتظن أن هذا يكفي.. -لا أظن ولكن هنالك شيء سيء أيضاً وهو تدخينه للسجائر... شيء لا حدود له.. -قلت له أنه يدخن كثيرا... قال لا يمكنه أن يترك التدخين... ولكن من الممكن أن يخففه قليلاً. أخبر شكيب أخاه عادل بعد أيام أنه زار الملك مرة أخرى ووجده في حالة مزاجية مبهجة، بل متحمسة، على الرغم من استمرار مظهره الضعيف. كما قال له أن الملك قد أعلن عن نيته القيام برحلة إلى إنترلاكن، وهي بقعة جميلة في جبال بيرنيز أوبرلاند تقع بين بحيرتين، حيث كان من المقرر أن يتناول الغداء في فندق فيكتوريا جونغفراو برفقة بابسي، السيدة الهندية وشقيقها، كما ذهب معه شقيقه علي، الملك المخلوع حيث ركب في إحدى السيارتين في الطريق إلى إنترلاكن. السيارة الأخرى كانت تقل رئيس المراسم تحسين قدري، ووزير الخارجية نوري السعيد، ورستم حيدر الصديق اللبناني لفيصل منذ زمن بعيد.
أقام الرئيس السويسري حفل استقبال للملك في منزله. ذهب الملك مع شقيقه علي وتحسين قدري ونوري السعيد وموسى الشابندر الذي كان شاباً في ذلك الوقت ويعمل في السفارة العراقية في سويسرا. قال الرئيس السويسري للملك: -كيف صحتك.. -جيدة انا الآن بإشراف طبيب سويسري. نصحتني به ملكة بريطانيا! -هذا جيد... هل يمكنني أن أعرف من هو؟ -نعم إنه الطبيب كوشر... -هل تتكلم بشكل جاد؟ -نعم... تغير وجه الرئيس... سكت لبضعة ثوان وانبرى له قائلا: -أنصحك أيها الملك بوقف التعامل مع كوشر.. تفاجئ فيصل. -ولم؟ -أنا أظن أنه شخص دجال؟ -كيف يمكن هذا؟ -أنا أحذرك ألا تتعامل معه.. -هل يمكنك أن تذكر لي كيف عرفت أنه دجال؟ -نعم.. أنا أعرف ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص ماتوا مؤخراً بعد تلقي العلاج من كوشر.. عاد الملك إلى بيرن بعد الظهر، وتوجه إلى عيادة الطبيب كوشر حيث رأته سيدة أخرى من مرضى كوشر، وهي السيدة باجيت، ممرضة سابقة على الجبهة الصربية خلال الحرب العالمية الأولى. ذكرت لاحقاً لإحدى الصحف السويسرية أن فيصل كان ذلك اليوم بصحة جيدة جداً، كان مبتسماً ويتكلم عن أشياء متنوعة وقد تناولت معه الشاي والبسكويت في فندق قصر بلفيو، حوالي الساعة 6 مساءً، ولكنه حين عاد إلى الحجرة قد تدهورت صحته كان ذلك في الساعة السابعة. وقد نقل إلى الطبيب كوشر، فحقنه الأخير حقنة من حقنه وأعطاه شيئاً ليشربه. حين عاد من الدكتور كوشر انتكست صحته تماماً، فقد بدأ في التقيؤ ثم استسلم أخيراً إلى أزمة قلبية في وقت لاحق من ذلك المساء. بناءً على تدريبها على التمريض، توقعت السيدة باجيت أن القيء العنيف للملك ربما كان ناجماً عن السم. و مع ذلك، فإن شهادة رئيس التشريفات تحسين قادري كانت متناقضة إلى حد كبير مع السيدة باجيت وكذلك مع ذكريات بيفري بافري المعطاة للصحف اليومية، والتي من شأنها أن تثير مجموعة من التكهنات المروعة حول ظروف الملك. كان تحسين قدري قد لاحظ أن الملك قد أرهق من الرحلة إلى إنترلاكن. هل تعاني من شيء جلالة الملك؟ -أنا أعاني من خفقان يا تحسين سأذهب إلى حجرتي في الفندق كي أرتاح. هكذا عاد الملك فور عودته من الرحلة إلى حجرته، فاستدعى تحسين قدري كوشر، اتصل به هاتفيا قال له أرجو أن تأتي مسرعا فإن الملك متعب جدا. جاء كوشر، دخل الصالة بعد أن خلع معطفه ووضعه على المسند، ثم دلف مباشرة إلى حجرة نوم الملك، كان الملك جالساً على السرير ولكنه على غير ما يرام. طلب كوشر من الملك أن يمد يده، قام بفحص نبضه، وطمئنه، ثم أعطاه حقنة من الحقن ذاتها التي يحقنها للملك كل مرة، ومن ثم وضع مادة زرقاء في دورق زجاجي وخلطه مع بعض الماء، وضع جزءا منه في كأس وقدمه للملك. شرب الملك. التفت كوشر الى تحسين قدري وقال له: -دعه ينام أنه بخير. غير أن تحسين لم يقتنع بهذه الجملة، لقد شعر أن الملك ليس على ما يرام. فأصر على تعيين ممرضة لمراقبة الملك. تكلم مع الملك: -أرجوك عليك أن تمتثل إلى الراحة وتجنب النزول لتناول العشاء.
ربما في الساعة الحادية عشرة من ليلة الثامن من آب استيقظ موسى الشابندر الذي كان موظفا شاباً في السفارة العراقية في جنيف وكان من حاشية الملك في الفندق على قرع عنيف على باب حجرته من قبل الآنسة ريد التي صرخت في وجهه :-الملك يحتضر وأنه مطلوب على الفور. ارتدى الشابندر ملابسه على عجل، واندفع إلى غرفة الملك حيث رأى الملك قد مات بالفعل. كان شقيق فيصل، علي في حزنه الذي لا يرحم يضرب براحة يده على رأسه. هذا الرجل الحزين الدائم، والمنحوس والذي خلع من عرشه شهد وفاة أخيه الملك بعينه، فكان يبكي بصوت عالي ويضرب براحته على رأسه، أما الآخرون فكانوا يسيرون في ممرات الفندق وهم يغمغمون: "يا لها من كارثة على العرب... يا لها من كارثة على العراق" دخل نوري السعيد إلى حجرته فوجد الملك على سريره، وجهه أصفر بشحوب أخضر مروع، عيناه مفتوحتان، فاغر فمه، وثمة ضمادة غريبة ملفوفة حول ذقنه. في الصباح نقلت الجثة إلى مستشفى جامعة برن لإجراء تشريح سريع للوفاة. 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني