عندما تضيق العبارة أمام قلم أديب وشاعر كبير، يصبح الإصغاء أفضل!
وأعود إلى عالم السرد القصصي وكتاب المبدعة جمانة "الأبواب.." وأول ما يدهش القارىء ويستأثر بإعجابه واستمتاعه أن الأبواب هي التي ترصد حركة الحياة داخل البيوت، في الطائرة، داخل المصعد، في مواضع شتى.. حتى في ركام الأنقاض. لكن هذه الأبواب، وإن كانت من خشب أو زجاج أو معدن، فهي تشكل شواهد إنسانية نبيلة، أسمى شمائلها التزامها التربوي السمح. ونرى أحدها يوجز "معاني الحياة" بالمحبة الروحية التي تستمسك بالقيم وتواجه قسوة المرض ومرارة الظروف بالصبر والحكمة. وتبدأ المجموعة بقصة "المدينة المعجزة" حيث يطلع القارىء على ملامح من مدينة دبي، لكن الباب الشاهد يختم مشاهداته باتخاذ موقف الجدة، وهي "تلوم حفيدتها على تحدثها بالإنكليزية وهي عربية". بهذه الإلماحة الخاطفة، يطلع القارىء على واقع اللغة العربية البائس لدى الجيل الصاعد في كثير من بلداننا، وتظل الجدة رمز الحكمة والصواب. وأعود إلى الاستهلال الذي توقفت عبره طويلًا وأعدت قراءته مرارًا، وكأني أقرأ نصاً شعرياً لطاغور، حيث نرى الدقة في اختيار الكلمات من البداية: فالأبواب فصلت من الأشجار(أماتها) بمنشار غليظ حاد الشفرات. ويستلهم الباب مشاعر الأم الكاتبة، قائلا: "ولأننا خرجنا من رحم شجرة، فهذا يعني أن الحياة تركت فينا بعض أسرارها وشيئًا من أرواحها" ثم أدى التوزيع إلى تفريق الأخ عن أخيه والقريب عن قريبه حتى ما عاد أحدنا يدري عن الآخر شيئا". وهذا ليس باباً خشبياً من جماد، لكنه إنسان واع وحكيم يرصد مأساة البشر في التتفرق والعزلة والضياع. وفي هذا الاستهلال يواصل الباب إيجاز تجربته العامة، فيقول: "رأينا تصرفات لم نستطع أن نغض الطرف عنها، تركتنا في مرات نذوب خجلًا، وفي مرات نفطر غيظًا وغيرة(..) وفي بعض تلصصنا نفكر في أشياء تجعلنا نحتقر أنفسنا." هذا التنوع الجميل والمدهش في إلقاء الضوء على جوانب متعددة من حياة الإنسان النفسية وهواجسه الأخلاقية، لا يلتقطها إلا مبدع أصيل الموهبة متمكن من أدواته حريص على التقاط أبسط الدلالات وأصدقها، وتلك معجزة الإبداع والإخلاص لرسالة الأدب الحضارية السامية. وتحية للأديبة جمانة طه، وتحية للشاعر عصام التكروري. وعسى أن تتاح لي معهما وقفة أعمق وأشمل.