كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما تضيق العبارة أمام قلم أديب وشاعر كبير، يصبح الإصغاء أفضل!

كتب الكبير علي كنعان عن المجموعة الشعرية "شهوة تجرني إلى حتفي" للشاعر عصام التكروري، وعن المجموعة القصصية "أبواب في الركام" لجمانة طه، فقال...
بين الشعر والقصة
كتابان جميلان، مادة إبداعية وأسلوباً مرهفاً وصياغة ندية مبتكرة في الاستشراف والحوار السلس الطلي مع القارىء وجمال الاستكشاف وعفوية الإرسال، بعيداً عن الوصاية ومواعظ الأوامر والنواهي. الكتاب الأول مجموعة شعرية لا تستلقي بعيداً عن وسادتي، قرأتها أول مرة في أمسيتين، قبل أسابيع، وأعود إلى قراءة مختارات منها بين حين وآخر. عنوان المجموعة "شهوة تجرني إلى حتفي" للشاعر عصام التكروري.. والكتاب الثاني مجموعة قصصية بعنوان "أبواب في الركام" للأديبة جمانة طه. وتحول الأبواب إلى أصدقاء من الناس الطيبين، تحس بأنهم من أصحابك أو جيرانك وتكاد تعرفهم بأسمائهم وحكمتهم العريقة ورسائلهم التربوية وخفة ظلالهم، ذلك كله يلقي في وعي القارىء لمسات من فتنة الخيال. ولقد أعدت قراءة المدخل أو الاستهلال (وهو بلا عنوان) خمس مرات، مع أنه لا يزيد عن مئتي كلمة. وفي كل قراءة، أتذكر القول المأثور: إن من البيان لسحرا. قصائد الشاعر عصام تختزن وراءها ثقافة فرنسية وعربية واسعة وعميقة، كما توحي بتجربة شعرية أشبه ما تكون بتموجات أثيرية، دون أن تغفل نظرته وبصيرته عن رؤية الواقع وقراءة تناقضاته، ولاسيما في القصائد المكثفة والمكتوبة بأسطر معدودات لا تزيد عن ستة أبيات، ولا تقل عن ثلاثة. ومن هذه القصائد (المستحيل الرابع): "أجمل النهايات/ تلك التي لا تشيعها/ ورود البدايات"/ // (خارج التغطية): "لأنك معي/ لا ينقصني شيء/ لكن لا شيء يكتمل/ لأنك معي"// (من وحي التاو): "شيئان لا يحتاجان إلى مهارات استثنائية../ الجنس بهدف التكاثر../ والغباء"//(محاكاة): "المباني مرآة الأغاني/.. "تقول العشوائيات"// وأخيراً (براءة): "أنا لا أجلب الدمار./ "أنا فقط أميط اللثام/ تقول الحرب"!//

وأعود إلى عالم السرد القصصي وكتاب المبدعة جمانة "الأبواب.." وأول ما يدهش القارىء ويستأثر بإعجابه واستمتاعه أن الأبواب هي التي ترصد حركة الحياة داخل البيوت، في الطائرة، داخل المصعد، في مواضع شتى.. حتى في ركام الأنقاض. لكن هذه الأبواب، وإن كانت من خشب أو زجاج أو معدن، فهي تشكل شواهد إنسانية نبيلة، أسمى شمائلها التزامها التربوي السمح. ونرى أحدها يوجز "معاني الحياة" بالمحبة الروحية التي تستمسك بالقيم وتواجه قسوة المرض ومرارة الظروف بالصبر والحكمة. وتبدأ المجموعة بقصة "المدينة المعجزة" حيث يطلع القارىء على ملامح من مدينة دبي، لكن الباب الشاهد يختم مشاهداته باتخاذ موقف الجدة، وهي "تلوم حفيدتها على تحدثها بالإنكليزية وهي عربية". بهذه الإلماحة الخاطفة، يطلع القارىء على واقع اللغة العربية البائس لدى الجيل الصاعد في كثير من بلداننا، وتظل الجدة رمز الحكمة والصواب. وأعود إلى الاستهلال الذي توقفت عبره طويلًا وأعدت قراءته مرارًا، وكأني أقرأ نصاً شعرياً لطاغور، حيث نرى الدقة في اختيار الكلمات من البداية: فالأبواب فصلت من الأشجار(أماتها) بمنشار غليظ حاد الشفرات. ويستلهم الباب مشاعر الأم الكاتبة، قائلا: "ولأننا خرجنا من رحم شجرة، فهذا يعني أن الحياة تركت فينا بعض أسرارها وشيئًا من أرواحها" ثم أدى التوزيع إلى تفريق الأخ عن أخيه والقريب عن قريبه حتى ما عاد أحدنا يدري عن الآخر شيئا". وهذا ليس باباً خشبياً من جماد، لكنه إنسان واع وحكيم يرصد مأساة البشر في التتفرق والعزلة والضياع. وفي هذا الاستهلال يواصل الباب إيجاز تجربته العامة، فيقول: "رأينا تصرفات لم نستطع أن نغض الطرف عنها، تركتنا في مرات نذوب خجلًا، وفي مرات نفطر غيظًا وغيرة(..) وفي بعض تلصصنا نفكر في أشياء تجعلنا نحتقر أنفسنا." هذا التنوع الجميل والمدهش في إلقاء الضوء على جوانب متعددة من حياة الإنسان النفسية وهواجسه الأخلاقية، لا يلتقطها إلا مبدع أصيل الموهبة متمكن من أدواته حريص على التقاط أبسط الدلالات وأصدقها، وتلك معجزة الإبداع والإخلاص لرسالة الأدب الحضارية السامية. وتحية للأديبة جمانة طه، وتحية للشاعر عصام التكروري. وعسى أن تتاح لي معهما وقفة أعمق وأشمل.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني