نيويورك (كما رآها أمين الريحاني في كانون الأول من عام 1910)
أبنت التمرد في العالم القديم, وعروس التفرّد في العالم الجديد, وأم الفوضى في العالمين, ويل لأبنائك وعشاقك.
أطليقة الهنود بالأمس, ومحظية اليهود اليوم, وحاملة بنود الثورة غداً, ويل لأبنائك وعشاقك.
مهدك الحقول وفيه ثعابينها, سريرك المعادن وفيه سمومها, عرشك جبال الثروة وحوله وحوشها, ويل لأبنائك وعشاقك.
أحشاؤك من الحديد وفيها عقمه. صدرك من الخشب وفيه سوسه. فمك من النحاس وعليه أصداؤه. جبينك من الرخام وفيه جماله جموده. ويل لأبنائك وعشاقك.
تشربين ذوب الإبريز, وتأكلين معجون اللجين, وتنتعلين أجنحة العلم, وتلبسين الفاخر من الحرير والنادر من الحلى, وقلبك قار يشتعل, ويل لأبنائك وعشاقك.
أبنت الألوان والأنوار, شعرك في الليل أشقر, وأسحم في النهار, تصبغينه لكل مراود وتغسلينه لكل مغيار. ويل لأبنائك وعشاقك.
أبنت الهمس والصياح, ليس في صوتك نغمة من أنغام الفجر والصباح, بل في صوتك رنة الذهب وجموده, إن في الملاهي وإن في الأسواق, إن في المصارف وإن في الكنائس, ويل لأبنائك وعشاقك.
أبنت الثروة والاحتكار, في مخازنك خيرات الأرض, وفي خزائنك الأموال والحلى, وفي قصورك عجائب الحضارة, وفي جاداتك بهاؤها وضجيجها وهولها وعجيجها, وفي أكواخك الظلمة والفقر والجوع والأنين, ويل لأبنائك وعشاقك.
في أسلاك قلبك أنباء الحب والخداع, وفي عروقك أعباء التجارة والأطماع, وفي أعصابك اهتزازات شرور السرور, وفي ويلاتك شهوات صرعى الغرام, ويل لأبنائك وعشاقك.
لله منك. حرة نعارة, تاجرة فاجرة. عذراء الجنون أنت و زانية الفنون, في فسقك وفي برك سلطانة أثيمة, ويل لأبنائك وعشاقك.
مهلاً بنت المعادن والكهرباء. مهلاً ربة العمل والغناء.. إن من ذي الأرض: جمالك لا من السماء.
جمالك نور في زجاج يزول إذا كُسر الزجاج, جمالك في قصورك, لا في خدورك, في مسراتك, لا في مبراتك.
جمالك يملأ الفضاء نوراً والنفس ظلاماً, نبت أثيل أوراقه جسيمة, وأزهاره سقيمة.
نهر من الكهرباء, على ضفتيه جبال من الرخام, وغابات من الحديد. ليل باهر, نجومه من معامل الإنسان الفانية, لا من معامل الله الأبدية, تعساً لذا الجمال.
ساعة أولها ابتهاج, وآخرها تثاؤب. مسرح الأهواء واللذات والأطماع, صدر جمالك. آخر ما اخترعته المدنية من آيات الكذب والمصانعة, عين جمالك.
ضخامة تتمخض بها التجارة, فيلقبها التجار بالعظمة والفخامة. لقد كذبوا والله وكفروا.
جمال معبودهم كدولار, صك في الليل وطُلي في النهار, تباً لذا الجمال.
أفي ساعديك عروس العالم الجديد يعظم حسنك, أفي أصغريك يضمحل, أفي سفاهتك يحيا, أفي بداهتك يموت؟
أيتلألأ في عيونك ازرقاق نور المجون, وينطفئ في قلبك سناء شعلة الشعر والفنون؟
أعروس العالم الجديد, عرس من أنت اليوم, وغدّاً عرس من تصبحين؟ أمن خدر الهنود إلى خباء اليهود؟ أمن أكواخ الحرية إلى مخادع الفسق, إلى صروح الثروة إلى هاوية الثورة والويل والهلاك؟
رحم الله أنفساً عرفتك طاهرة, ويل لأنفس عشقتك عاهرة.
(نيويور كليم), وفيها حسدتها اليوم أورشليم.
العبرانيون يمرحون, ولا ينتحبون, ويل لـ(نيويور كليم).
أفي صحافتك كما في تجارتك, أمن على منابرك ومسارحك, يعلو صوت اسرائيل, أصوات أبنائك الحقيقيين؟
أتملأ (تامار) أسواق الليل دعارة وملاهيه فساداً؟
أتقبض (ياعيل) اليراع اليوم كما قبضت السيف في سالف الزمان؟
وشتان بين عدو وعدو, بين الظلم وهو (سيسرا) بالأمس, والحق وهو (سيسرا) اليوم.
أبنت اليهود, أين منك فضائل الجدود؟
ماضيك من النور والنار. وحاضره نور مستعار.
ومستقبلك؟ - لا بدّ للمستعار أن ينقضي أجله فيزول, وحسن الوجوه حال يحول.
حسنك لعنة جسمها الله في ذي الأبراج تحت سمائه.
صاغها الله في التبر, وضمخها بالطيب, وكللها بالتيجان ذات القباب المذهبة.
قباب هي دمامل الأرض, وأنفس تحتها هي دمامل الحياة.
وغداً تصير أبراجك في أنفاقك, ويدفن مجدك الكاذب تحت أنهارك, فتبكيك عندئذ نينوا وتترحم عليك بابل.
من كتاب "الكتابات الشعرية" لأمين الريحاني