كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تحية إلى الأديبة الكبيرة سهام ترجمان

جمانة طه- فينكس:

منذ أيام أخبرتني صديقتي الصيدلانية السيدة سعاد غصن سلوم عن معاناة صديقتنا الأديبة سهام ترجمان من مرض عضال، فحزنت وفكرت بالكتابة عنها تحية لها وتذكيرا بها. وعندما أخذت القلم، شعرت بقلق وكأن الريح تحتي. فالكتابة عن أديبة كبيرة ارتبط اسمها بمدينتها ليس سهلًا، وإن كان ماتعًا. فما إن تُذكر دمشق يقفز إلى الخاطر اسم الشامية الهوى سهام ترجمان، المزهوة حد التقديس بانتسابها إلى أقدم المدن وأكثرها عراقة. تقول سهام: "وكأني ما أتيت إلى هذه الدنيا إلا لأكون دمشقية. أفهم دمشق، أحبها وأكتب عنها وأرسم لوحات حارة الألوان عن حاراتها وعن أهلها وعن حاضرها وماضيها، وأحملها في داخلي وأمشي".
ولدت سهام في عائلة دمشقية، بمنطقة العمارة عام 1931. درست الفلسفة في جامعة دمشق، وتخرجت فيها. عملت في الصحافة محررة ثم نائب رئيس التحرير في مجلة الجندي العربي الصادرة عن الإدارة السياسية للجيش والقوات المسلحة، وهي عضو في جمعية النقد الأدبي باتحاد الكتاب العرب. قدمت في الإذاعة السورية عدة برامج لاقت قبولًا عند المستمعين وفي الأوساط الأدبية. منها: برنامج المرأة، برنامج الحقيبة الدبلوماسية، برنامج القوات المسلحة، وبرنامج حماة الديار. كما حقق كتابها الأول "يا مال الشام" الذي صدر قي العام 1975 شهرة واسعة لها وله في الوطن والمهجر، بما تضمنه من العادات والتقاليد التراثية الشعبية الشامية، مثل: العرس الشامي، السيران (النزهات)، الزغاريد في الأعراس، والاحتفال بأول عيد ل جلاء الفرنسيين عن سورية، وتوصيف للسهرات النسائية وما يتم فيها من تندر بالأمثال والنكت والطرائف، إلى جانب استعادتها بعض الأحداث الطبيعية مثل الثلجة الكبيرة والفيضان بفعل المطر الذي غمر المرجة وما يجاورها. كل هذا والكثير سواه تسرده سهام بلغة سهلة ولهجة شامية، وأسلوب يتناسب مع الموضوعات. وقد ترجمت هذا الكتاب إلى الإنكليزية المستشرقة الأميركية البروفيسور أندريارو.
بداية معرفتي بالأديبة سهام ترجمان كانت صوتية على الهاتف، وذلك حين اتصلت بي وطلبت مني تزويدها بالأمثال التي تنال من كينونة المرأة ودورها في الحياة والمجتمع التي جمعتها تحت عنوان "الجنسوية"، لأنها كانت تعد حلقة تلفزيونية في هذا المجال لتقدمها مع الممثلة اللبنانية مادلين طبر. اعتذرت عن تلبية طلبها، إذ كان كتابي (الجمان) ما زال مخطوطة ولم يطبع بعد. وتجدر الإشارة إلى أني وجدت عددًا لا بأس به من الأمثال الشامية الكثيرة التداول في كتابها الشهير "يا مال الشام" الذي رأيته للمرة الأولى في بيت أحد الأصدقاء في لندن.
نذرت سهام قلمها على وجه العموم للكتابة عن دمشق وعن كل ما يمكن أن يضيف إلى جمالها جمالًا وإلى أهلها رفعة وتأصيلًا أرومة ونسبًا. ومن فرط شغفها بوطنها، تمنت أن تضم بساعديها أجياله وتجعلهم سعداء، وأن تثير إعجاب العالم كله بالشعب والمكان. وعن الشام تقول: "الشام سرها مقدس. فهي قلبٌ ما تعود إلّا أن يُحب ويَضمّ. وهي المدينة التي مر بها ووصل إليها الأنبياء والرسل والقديسون. جنوبها عند منطقة "القدم" وصل النبي محمد عليه السلام، وعلى الشارع المستقيم مشى القديس بولس إلى العالم مبشرًا بتعاليم المسيح عليه السلام.
لكنها وبرغم هذا الشغف لم تهمل قضية المرأة وطالبت بتأمين فرص التعليم والعمل لها، لتقوم بدورها في التربية والأسرة وتنمية المجتمع. إلى جانب اهتمامها بالتراث المادي في دمشق القديمة بقلمها وصوتها من خلال مناشدتها أولى الأمر التنبه والعمل على حماية الأبنيىة التاريخية وإيقاف هدمها.
المحبة واللطف والدماثة الدمشقية التي وسمت شخصية سهام، هيأت لها مكانة في قلوب الأصدقاء والناس. ولعل أهم ما يميز كتاباتها أنها تصدر من قلب محب وعن قلم بار بتلقائية وعفوية محببة تشعر القارئ بقربها منه، وتمنحه إحساسًا بالرضى والفرح والشعور بالفخار ب دمشق الشام.
التفتت سهام إلى مسألة العيش المشترك في المجتمع السوري، فدمشق في رأيي تُعد انموذجًا حيًّا لها. فالشام العالية المقام بسر المقدس، كانت معبرًا أو مقامًا لأنبياء وقديسين وعلماء. في الجنوب منها منطقة وطأ أرضها النبي محمد عليه السلام وسميت بعده ب "القدم"، وعلى الشارع المستقيم مشى القديس بولس إلى العالم، مبشرًا بالمسيحية، وفي الجامع الأموي مقام القديس يوحنا المعمدان أو النبي يحيى كما يسميه المسلمون، وعلى رابية في منطقة الصالحية يقوم مقام المتصوف الكبير محي الدين بن عربي.
ويمكن أن نشير في هذا المجال إلى الإصدار الأخير ل سهام، ويتضمن رسائل من زمن عصر النهضة العربية تعود إلى الأميرة زينب الجزائرية الحسنية الدمشقية الإقامة، تبادلتها مع صديقتها الرائدة ماري عجمي صاحبة مجلة العروس، وحملت مواضيع متعددة اجتماعية وسياسية وثقافية.
من كتاب يا مال الشام اقتطفت هذه الزغاريد (الزلاغيط في اللهجة السورية):
= أوي ها يا عريس لا تعبس/ أوي ها فريد* البقجة والبس
أوي ها شواربك عروق الريحان/ أوي ها وسوالفها عروق النرجس
لي لي لي ليش
= أوي ها ديارنا كبيرة/ أوي ها ودرج الحمام فيها
أوي ها وأم العريس فرحانة/ ربي من عندو يهنيها
لي لي لي ليش
= أوي ها عيونك السود خلتني أنا غَنّي/ أوي ها عيونك السود نستني أبي وأمي
أوي ها بكون نايم بأحلى النوم متهني/ أوي ها بيجي خيالك على بالي وبيجنني
لي لي ليي ليش
= أوي ها مساكين أهل الهوى شو تيتمو/ أوي ها بعد ما كانوا كواكب عتمتو
أوي ها عطيتهن سر للحب وما كتمتو/ أوي ها يا حسرتي مين عاد يكتم سرنا
*فْرَيدْ: افتح *بقجة: قطعة قماش من الحرير توضع فيها الثياب
وقبل الختام أحببت وضع هذا المقطع من قصيدة للشاعر البولوني الوطني
"آدم ميتسكيتفيتش "1798م".
أنا لست سوى مخلوق بشري
جسدي ملتصق بالأرض التي
أحببت
قلبي هنا في وطني،
ولكن قلبي يحيط العالم كله. 
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود