كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أنينُ الدَّرَجِ: حين يَعتلي الشِّعرُ عرشَ البلاغة قراءةٌ في نصِّ الشاعر عبد الكريم الناعم

قراءة الأديب محمد أمين علي، لقصيدة "أنين الدرج" للشاعر عبد الكريم الناعم.
أنين الدّرَج
ما سِرُّ هذا الذي إنْ جِئتِ يأخذُني
إلى الأقاصي فما في دَوْرَتي حَرَجُ؟!
تَبْدو البحورُ رزيناتٍ بِزُرْقَتِها
فإنْ ضَحِكْتِ تعالى مَوْجُهُ (الهَزَجُ)
تأتي النّوارسُ من أقصى على لغةٍ
مِنْ راحتيْكِ وَقَدْ راغتْ، فَتَبْتَهِجُ
وَتَنْشُرينَ كنوزاً خُبِّئتْ زَمَناً
فَتَطْرَحُ الدُّرَّ في شهقاتها
المُهَجُ
وَتَشْمَخينَ مساءً بينَ داليتيْ
بُزوغِ وَعْدَيْكِ
فيما تُطْرِقُ
السُّرُج
هذي الجنانُ التي صيغتْ لِنَدْخُلَها
ماضَرَّ بستانَها
خُسْرانُ مَنْ
خَرَجوا
صَعَدْتُ فيكِ ذرىً لابَتْ مفاتِنُها
فَأَنَّ لَمّا بَلَغْتُ الذّرْوَةَ
الدّرَجُ
حمص في 14/ 4/2008
محمد امين علي
·
١ س
أنينُ الدَّرَجِ: حين يَعتلي الشِّعرُ عرشَ البلاغة
قراءةٌ في نصِّ الشاعر عبد الكريم الناعم
---
تمهيد
قلَّ أن تجدَ نصاً يجمعُ صفاءَ اللغةِ وعمقَ الفلسفةِ وجرأةَ الصورةِ كما في "أنين الدَّرَج". إنه نصٌّ يُقرأُ في كلِّ مرةٍ وكأنه يُكتَبُ من جديد.
---
أولاً: الإعجازُ البلاغي
الاستفهامُ المُدهِش: "ما سِرُّ هذا الذي إنْ جِئتِ يأخذُني" — استفهامٌ تعجبيٌّ يفتحُ أبوابَ الدهشة، و"الأقاصي" جمعٌ نادرٌ يمنحُ النصَّ امتداداً لا حدودَ له.
البحورُ التي تبتسم: "تَبْدو البحورُ رزيناتٍ بِزُرْقَتِها / فإنْ ضَحِكْتِ تعالى مَوْجُهُ (الهَزَجُ)" — المفارقةُ المُعجِزة: ضحكةُ المرأةِ تُحوِّلُ إيقاعَ الكونِ من الرزانةِ إلى الغناء.
النوارسُ على لغة: "تأتي النّوارسُ من أقصى على لغةٍ" — اللغةُ تصبحُ وسيلةَ طيران، لا وسيلةَ تواصل.
بلاغةُ البنية: "فَتَطْرَحُ الدُّرَّ في شهقاتها المُهَجُ" — التشابكُ النحويُّ يُحاكي تشابكَ الأنفاسِ في الشهقات.
إطراقُ السُّرُج: "فيما تُطْرِقُ السُّرُج" — استعارةٌ فريدة: الضوءُ نفسه يُغضِّضُ بصرَه أمام جلالِ المشهد.
---
ثانياً: الإعجازُ الأدبي
العنوانُ لغزٌ مُركَّب: "أنينُ الدَّرَج" = صوتُ الصعودِ نفسه. وفي الخاتمة يتحقق: "فَأَنَّ لَمّا بَلَغْتُ الذّرْوَةَ الدّرَجُ" — أنينُ الاكتمالِ لا النقص.
بناءٌ دراميٌّ ثلاثي: الأنا ("صَعَدْتُ") ← الأنثى ("تَشْمَخينَ") ← الكون ("البحورُ، النّوارسُ، الجنانُ") في تفعيلٍ متبادل.
فلسفةُ الخروج: "ماضَرَّ بستانَها خُسْرانُ مَنْ خَرَجوا" — انقلابٌ على الميثولوجيا: الجمالُ لا ينقصُ بمن يهجرُه.
---
ثالثاً: الإعجازُ الفلسفي
الصعودُ يُنتِجُ الأنين: الأنينُ علامةُ بلوغٍ لا ضعف. أنينُ المتصوِّفِ حين يُدرِكُ أنه بلغَ ما لا يُبلَغ.
الحضورُ الغائب: الأنثى حاضرةٌ بآثارها في الكون لا بجسدها — حضورٌ بلاغيٌّ يُذكِّرُ بفلسفةِ ابنِ عربيٍّ.
---
رابعاً: ما يجعلُه نهجاً يُحتذَى
1. التكثيفُ الدلالي: كلُّ كلمةٍ مُحمَّلةٌ بأكثرَ من معنى.
2. الاستعارةُ المركَّبة: عالمٌ استعارِيٌّ متكامل لا صورٌ متفرقة.
3. الفلسفةُ المُضمَّرة: تُوصِلُ الفكرةَ دون تصريح.
4. العَروضُ كأداةٍ درامية: التدويرُ والتضمينُ يخدمانِ المعنى.
5. المرأةُ كمركزِ الكون: فاعلٌ كونيٌّ لا موضوعُ غزل.
---
خاتمة
"أنينُ الدَّرَج" نصٌّ يُقرؤنا ويُعيدُ ترتيبَ حواسِّنا اللغوية. البلاغةُ فيه رؤية، والفلسفةُ صورة، والعشقُ منظومةٌ كونية. إنه جديرٌ بأن يكون نهجاً للبلاغةِ ونموذجاً للأدباءِ والفلاسفة، لأنه يُثبِتُ أنَّ الكلمةَ العربيةَ في يدِ شاعرٍ حقيقيٍّ تُصبحُ كائناً حياً يُولَدُ من جديدٍ في كلِّ قراءة.
حمص، 2008 — حيثُ صعدَ الشاعرُ الذروة، فأنَّ الدَّرَجُ في كلِّ من يقرأ