كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشاعر والمناضل ناجي علوش في الذكرى 11 لغيابه

د. ابراهيم علوش:

في مثل هذه الليلة قبل 11 عاماً، غادر القائد والمفكر القومي ناجي علوش عالمنا بعد حياةٍ مليئة بالعمل والنضال والقتال والنشاط الفكري والثقافي والسياسي والتنظيمي.
أود في هذه المناسبة أن أحيي ذكراه بإعادة نشر قصيدته "الدمعات التي خبأتها العيون" لتعريف القارئ الكريم بناجي علوش إنساناً. أما من يود الاطلاع على بعض كتبه السياسية والفكرية والتاريخية فالرجاء الذهاب إلى الرابط التالي:
الدمعات التي خبأتها العيون/ ناجي علوش
طلقة تنوير 88
(1)
وأنا هائمٌ في البراري
حضنتني الخيامُ الفقيراتُ والشَّجَراتُ
التي لم تصلها العيون
فأكلتُ الهواء الذي حَرَقته الظهيرة
وشربتُ الصحارى
(2)
وأنا فارسٌ
وَضَعتني على "رَضَف" الفقر أمي
فعرفتُ الجياع صَغيراً
ونادمتُ جوعهم وغرفتُ المرارةُ من كأس همي
لم أكن ملكاً أو أميراً
إنما كنتُ من طينة الفُقراء
ومن نُطفة الوجع الأدميِّ
و من لهفة الأشقياء
(3)
وأنا فارسٌ
فَرَسي لا تكلّ
كلما ضقتُ ذرعاً مضت قُدماً
لم يثرها عثاري
وحسامي الذي صنعته الأكف الصغيرة
صارم لا يُفلُّ
(4)
وأنا هائمٌ
حائرٌ
ثائرٌ
علمتني الشجون
أن أرى الخفقات الكسيرة واللهفات الكسيرة
أن أرى في العيون الدمعات التي خبأتها
العيون
(5)
وأنا جائعٌ
علمتني المجاعة أن الرمال التي حرقتها الظهيرة
تخفي بساتينَ ظلٍ وفاكهةٍ وينابيعَ تروي
غليلَ العطاش الذين مشوا أمداً في رمال
الجزيرة
وأنا جائع
علمتني المجاعة أن الرغيف صغيرٌ ولكنه
مَلِكُ ظالم
وحقيرٌ ولكنه يزرع الرعب في حَدَقات العيون
علمتني الوقائع أن المجاعة لا تنتهي
دون أن يسقط الخوف من حدقات العيون
(6)
وأنا شاعر
علمتني التجارب أن أقطف الشعر من وجع
الجائعين، ومن فزع الهاربين، ومن
لهفة الحالمين بسهرة حبٍّ على وَجَنات الزنابق
وأنا شاعر
علمتني القصائد أن أجني الشعر من زهرات الحقول
ومن ومضات الصواعق
وأنا شاعر
علمتني الحرائق
أن في النار شعراً، وفي الموت شعراً،
وفي الحرب شعراً، وفي الحب شعراً
وأن العواصف كامنةٌ في السكون
(7)
وأنا ثائر
علمتني العصيّ الغليظة والقبضات المريضةُ
والعتماتُ التي نشرتها المشانق
أنني لست وحدي، وأن الذين أظلتْهمُ
سنوات المجاعة والقهر صاروا حشوداً غفيرة
علمتني بأن أبصر العزم في الخائفين
وأن ألمس الوَهْج في المطفئين
وأن أشهد الجمر مشتعلاً في رماد
الليالي المطيرة
(8)
وأنا عاشقٌ
علمتني المنافي بأن أعشقَ الزهرَ وهو بعيدٌ
وأن أعشقَ الحقلَ وهو غريبٌ
وأن أعشق الغائبين
لأن المحبة أكبر من ظلمات المنافي
ومن عتماتِ السجون
وأنا عاشق
علمتني المحبةُ أن المحبةَ
تزهر في النفي، تُثمر في النفي
تشرب في النفي روح القنابل
وأنا عاشق
علمتني المنافي بأن الشجون
تجعل الحب قاتل
وأنا عاشق
علمتني جراح الأحبة
أني
أخون الأحبة إن لم أقاتل
وأنا عاشق
وطني راحل
وأنا راحل
أبتغيه ودوني العواصفُ
تلعب بالرملِ والريحِ تنقلُ أرض الصحارى
وأنا حازم
يهبط الرمل بي
ثم يغمرني
ثم تنقشعُ الأرضُ عن أفقٍ واسعٍ
ورؤىً وطيورٍ جوافل
وأنا عاشق
علمتني النوازلُ
أن الهوى يصلُ الغائبين
ويجمع ما فرقته الرياح العوازل
(9)
وأنا ضائعٌ
ضيعتني الرياح العوابر عن خطوات القوافل
فطلبت النجومَ دليلاً وسرتُ على الدرب مقتنعاً
أنني سوف أبلغ داري
وأنا ضائع
علمتني النجوم الدراري
ان درب المحبينَ لا تمّحي في الرمال، ولا
تمّحي في البحار
وأنا ضائع
بددت حيرتي صرخات الثواكل
وأنا
عاشق
حائر
ثائر
علمتني الشقاوة أن أجني الحب من
حدقات العيون الكسيرة...
ناجي علوش، فجر 29 تموز 2012: لحظات قبيل الرحيل... الفجر يوشك أن ينبلج وخيوط الشمس الأولى تشق عباب السماء، وفي هدأة ليل عمان، خاض الفارس معركته الأخيرة وارتقى. ودع العاشق هذه الأرض التي أكلت من لحمه وشربت من عرقه ودمه الوداع الأخير، طبع قبلة على وجنة الفجر وانطلق يسابق الريح.
فارس مغوار، شاعر مرهف ومفكر فذ ومقاتل وأكثر، صادق كدمعة، نقي كبسمة طفل نبت في أرض واقتلع منها، وأقسم منذ ذلك اليوم أن يحياها ويحييها، فحملها في شغاف قلبه ثم حملناها عنه، فهل كان موتاً؟ لا يموت الأبطال، إنما يسكنون ذاكرتنا وينيرون لنا درباً معبداً بالأرواح والدماء.
لحظات بعيد الرحيل... الفجر يولد في السماء ويعلن قيامة صباح التاسع والعشرين من تموز، صباحاً مثقلاً بالألم والدمع، مثقلاً بخسارة الشاعر الفارس، العاشق أبداً، والحي أبداً في أفئدتنا، ناجي علوش.
لم يكن الرحيل إلا جسداً، وأما روحه فأزهرت في أرواحنا، وأما عهده فقطعناه على أنفسنا، بالدم، وبالدم فقط، نكتب لفلسطين.
في الذكرى الحادية عشرة للرحيل، اخترنا قصيدة "الدمعات التي خبأتها العيون" من ديوان "جسور الأشواق"، قصيدة تشي بالكثير عن مقاتل عاش بطلاً ومضى معلناً تمام الرسالة "اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد". 
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود