كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هارب من الدورية

محمد صباح الحواصلي

 كانت السيارة السوداء الفخمة مسترخية باطمئنان على الرصيف. رأيته مختبئاً خلفها.. طفلا ملتحماً بصباراته القليلة التي جمعها أكواماً فوق سحارة.
ورأيت أيضا فيما رأيت، خوفاً يعصف في مقلتيه، ورأيت طفولة غائمة بلا سماء.. بلا عصافير.
نظرت في عينيه – ما أدهش أديمهما – جلت في بريقهما الحزين، أبحث عن طفولته. كل شيء غائب في عينيه إلا الخوف.
كان الطفل ينظر إليّ بريبة. أتراه خائفاً مني؟ أم حسبني صاحب هذه السيارة الفارهة؟ أم رأى في عيني حوتا يبتلع الأسماك الصغيرة؟
لا يا صغيري أنا لست منهم. أنا مثلك طفل في أعماقه بحيرة تسبح فيها الأسماك الصغيرة بأمان.. وفيها سماء تحب العصافير والفراشات.
سألته بحدب:
"أنّى لك أيها الصغير أن تبيع صباراتك وأنت محجوب خلف هذه السيارة؟ الناس لن تراك."
"أنا هارب من الدورية."
ثم أشار إلى الشارع وقال:
"كانت تعبر الشارع منذ قليل.. إنها تبحث عنا ولا تريدنا أن نبيع."
"ولماذا لا تريدكم أن تبيعوا؟"
"يقولون إننا نشوه جمال المدينة."
ثم صمت الطفل.. ووجدت يدي تمتد بحنو إلى رأسه تمسح شعره الجميل المبتل بعرق الخوف والهجيرة. ولشد ما أبهجني أن رأيت غمامة الخوف تتبدد في عينيه.
عندها قلت له:
"ما ثمن هذه الصبارات كلها أيها الصغير؟"
وثبَتْ الطفولة الغائبة من خلف الغمامة.. عششت في أهدابه فرحا وضاء.. صارت عصافير, صارت سماء. قال:
"عشرون ليرة يا عمّو.."
دفعت له ثمنها. حمل سحارته وطار. وكم لذني أن أراه كونا من الفرح على الرغم من أنني دفعت له كل ما في جيبي من مال.
**
دمشق ١٢ أيلول ١٩٨٨
من مجموعته "منمنمات على جدران دمشق القديمة" (١٩٩٠)
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود