مذكرات الأستاذ محمد علي رستناوي (من مقدمة كتابه النحو الحق)
2024.11.10
الحقبة التاريخية: النصف الأول من القرن العشرين- قرية مورك- محافظة حماة. الصورة للوالد ( أحمد) وعمي ( محمدعلي) رحمهم الله.
كان والدي يحب أن نقرأ له القصص الشعبية؛ قصص بني هلال، وقصة الزير سالم وقصص ألف ليلة وليلة، كان أخي (أحمد) يقرؤها لوالدي ولمن يسهر عندنا، وكنت أنا أقرؤها لنفسي، وحدث أن أخذني والدي معه إلى حماة لشراء لوازم للبيت إذ لم يكن في قريتنا حوانيت لأكثر ما نحتاجه آنذاك. نزلت مع والدي إلى حماة فاشترى حوائجه ومر بي في طلعة الدباغة فقرأت على الواجهة (مكتبة العبيسي) فطلبت من والدي أن ندخلها لشراء لوازم لي، طلبت من صاحب المكتبة كتاب نحو من الكتب القديمة فأحضر لي كتاباً كبيراً فقرأت عنوانه: حاشية العدوي على شذور الذهب لابن هشام، فطلبت من والدي أن يشتريه لي، فطلب صاحب المكتبة خمسين قرشاً، ولم يكن لدى والدي سوى ليرة سورية، إذا دفع والدي ثمن الكتاب فلن يتبقى معنا أجرة العودة إلى القرية بالسيارة، إذ كانت أجرة السيارة إذ ذاك خمسين قرشاً. وجدت أن ثمن الكتاب كان ضخماً.
عدنا إلى القرية بدون الكتاب، كان والدي يريد أن يلبي رغبتي، ولكن...، عدنا إلى القرية وفي نفسي غصة مؤلمة؛ وتمر الليالي وفي كل ليلة يغلبني البكاء والنشيج فيستيقظ أهلي على بكائي ويسألونني عن السبب ويلح والدي فلا أجيب، ويتكرر بكائي عدة ليال، ويلح والدي بالسؤال وبعد جهد جهيد قلت: أريد كتاب النحو، فكان من أمر والدي أن أرسل في الصباح أخي إلى حماة لشراء ذلك الكتاب ولم يكن يملك والدي سوى ليرة سورية واحدة، أعطاها لأخي وأعلمه عن المكتبة، فذهب إلى حماة دافعاً نصف الليرة أجرة للسيارة.
اشترى أخي الكتاب، كان أخي يأمل أن يرجع إلى القرية مع أحد عرباتها التي تنزل إلى حماة لبيع الجبس (البطيخ الأحمر)، ولكن لم يجد يومها أي عربة فعاد إلى القرية مشياً على قدميه يحمل الكتاب إليَّ. وأنا كلما أتذكر قصة أخي يبدو في مخيلتي كم كان أخي يرغب بتلبية طلبي، إني لا أذكر أبداً أنه بدا عليه شيء من الانزعاج لما ناله من مشقة، بل على العكس رأيته يقدمه لي مسروراً. كان الذهاب إلى حماة والإياب منها مشياً مألوفاً يومها.
-
وأعود إلى البدايات، حيث أخرجتُ من المدرسة في سن الثالثة عشر وكان ذلك في عام 1943 بعد أن ظللت في الصف الثاني ثلاث سنوات. ومرت السنون. كانت المدرسة مجاورة لدارنا وكان كل معلم يأتي للمدرسة من بعده كان يحتاج لخدمات للمدرسة من تنظيف وحوائج كانت تقوم بها عائلتي.
كنت لا أنقطع عن الاتصال بالتلاميذ لأسألهم وأتعرف على معلوماتهم، وكنت كثيراً ما أطلب إعراب بعض الجمل الصعبة منهم.
وبعد عام 1945 صار يضاف للمدرسة صفوف أخرى ثالث فرابع فخامس. وصار تلاميذ الصف الخامس يتجهزون لفحص الشهادة الابتدائية (السرتفيكا). وبحكم مجاورتي للمدرسة لم تنقطع صلتي بالتلاميذ أثناء الفرص، إذ لم يكن للمدرسة سور، ومع أني كنت أكبر من كبار السن في المدرسة بما لا يقل عن أربع سنوات إلا أني لم أكن أشعر بحرج من ذلك، وكان عندي من المعلومات المدرسية أكثر منهم فيما يظهر لي؛ إني عندما أتذكر حالي إذاك أجدني في نظري الآن امرأً عجيباً: امرؤ في التاسعة عشر يختلط بمن دونه في السن بما لا يقل عن خمس أو ست سنوات، الحقيقة عندما أتذكر ذلك أجدني سخيفاً جداً، غير أن ذلك لم يكن يخطر لي على بال. وبحكم مجاورتنا للمدرسة وبحكم صلة المعلمين المتعاقبين بذويّ، حضر أحد المعلمين إلى دارنا فوجدني أقرأ في قصة من قصص بني هلال، والقرّاء في القرية آنذاك قليل، رآني أقرا فطلب مني أن أسمعه قراءتي فأسمعته فبدا إعجابه بصحة قراءتي، فسألني شيئاً في الحساب فأجبته، فاستحسن ذلك أيضاً، ثم سألني إعراب جملة (المدرسة جميلة) فأعربتها، وطلب مني كتابة كلمات فيها ألف مقصورة وفيها همزات متوسطة فكتبها صحيحة فشجعني وقال: اذهب إلى المدرسة غداً وأتوسط لمعلم الصف الخامس أن يقبلك وتتقدم للشهادة، وكان.
-
في الحصة الأولى التي كانت (حساب) أعطى المعلم الدرس وفي آخر الحصة أعطانا مسألة لنحلها على الدفاتر ولما شاهد المعلم حلولنا أخرجني إلى السبورة لحلها، فاعترض أحد التلاميذ على حلي فأخرجه وطلب منه حلها أيضاً فحلها بطريقة مغايرة لحلي إنما كان الجوابان متماثلان، لكن كان حلي بعمليات حسابية أقل، فصوّاب المعلم الحلين بشيء من الرضى.
وفي الحصة الثانية أعطانا (مقطوعة إملائية) فيها كثير من الهمزات المتوسطة والمتطرفة، ثم بدأ التصحيح على السبورة، وكان من الكلمات التي أمليت كلمة (هيْئة) وقد كتبها أحد التلاميذ على السبورة بصورة (هيأه)، ولم يعترض عليه المعلم، فرفعت إصبعي وقلت خطأ، فأخرجني فكتبتها بصورة (هيئة)، فسأل المعلم عن قاعدة الهمزة هذه، فأجاب تلميذٌ كتبت على ألف لأنها مفتوحة وما قبلها ساكن، وسألني المعلم عن سبب كتابتي لها على ياء فقلت: تكتب الهمزة المسبوقة بياء ساكنة على نبرة، فلاحظت أن المعلم قد انتبه للقاعدة فقال: صح وقال الجوابان جيدان فسكتُّ ولم أناقش، ولكن كأن قد ظهر علىّ عدم الموافقة.
وفي الحصة الثالثة أعطى المعلم (قراءة)، كان يسأل عن فهم الدرس وشرح مفرداته وسألهم إعراب بعض الكلمات، وسألني المعلم إعراب (الأزهار تفتحت)، فأعربتها، ولكن حضرني سؤال كان يدور في ذهني: لماذا لا تكون الأزهار هي الفاعل، وكيف يكون الفاعل ضميرها؟، سكتُّ ولم أجرؤ أن أسأل المعلم عن ذلك.
وكانت الحصة الرابعة (رياضة) فلم أحضرها، ولكن بعد أن خرج المعلم من الصف إلى الإدارة جاءني المعلم الذي توسط لي بالقبول على كبر سني، وقال: سنك غير قانونية ولا يتحمل المدير ولا معلم الصف وجودك، فقلت: عفواً.
أخذت دفتري وريشتي ودواتي وعدت إلى البيت، ولكن المعلم الذي توسط لي شجعني على اقتناء كتب الصف الخامس والدراسة لأتقدم لنيل الشهادة، وفعلاً وجدت رغبتي بذلك قوية وصرت أستعير من بعض التلاميذ كتب (التاريخ، والجغرافيا، والأشياء) ريثما أحضر المعلم -جزاه الله خيراً- الكتب اللازمة كلها، فأخذتها وكأني وجدت كنزاً ودفع له والدي ثمنها فيما بعد وشكره.
من صفحة د. حمزة رستناوي