د. وهب رومية ما تركه سيبقى شاهداً على علمه وعمق ثقافته
2025.01.30
أمينة عباس- فينكس
مازال خبر رحيل د.وهب رومية مدوياً في الأوساط الثقافية والأدبية المحلية والعربية، قامةً من أهم القامات على المستوى السوري والعربي بمسيرته المهنية الحافلة بالعطاء والإنجاز والزاخرة بالإنجازات الأكاديمية والأدبية الرفيعة ومؤلفاته وأبحاثه التي تميزت بالعمق والجدّة، فكان منارة للمثقّفين والأدباء والنقّاد.
رحل وهب رومية تاركاً وراءه منجزاً ثقافياً مهماً، ليس فقط في مجال الدراسات الأدبية بل في مجال العلاقات الثقافية بين البلدان العربية والأجنبية التي عرفته عن قرب وهو الذي حلَّ فيها أستاذاً وأستاذاً زائراً وباحثاً مثل: الكويت، اليمن، الصين، الجزائر، وقد شكَّل خبر رحيله صدمةً كبيرةً لمثقّفيها وأدبائها وأكاديمييها الذين اعتبروا فقدانه خسارة لا تعوَّض، في حين وصف رحيله د. محمود السيد رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق في نعيه له باسم المجمع بـ "خسارة كبيرة على مختلف الصعد، وطنياً وقومياً وإنسانياً"، مشيراً إلى خدماته الجليلة للّغة العربية.
كما تقدم اتّحاد الكتّاب العرب في سورية بأصدق التعازي إلى عائلة الفقيد وطلبته والمثقّفين والاكاديميّين في سورية والوطن العربيّ، مؤكداً رئيسه د. محمد الحوراني أنّ ما تركه رومية سيبقى شاهداً على علمه وعمق ثقافته، وسيبقى حاضراً في المحافل والمؤسّسات والمراكز الثقافيّة والعلميّة والتعليميّة التي ترك بصماته الخالدة فيها.
رحل د. وهب رومية قبل أيام قليلة من المرحلة النهائية من البرنامج الشهير "أمير الشعراء"" في موسمه الحادي عشر والذي كان فيه عضو لجنة تحكيم بدعوة من هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وكان الراحل قد وصف البرنامج: "أضخم برنامج للشعر العربي عرفه التاريخ، وحلم الشعراء، يلتقون فيه ويتعارفون وينشدون أشعارهم أمام لجنة التحكيم وجمهور من عشاق الشعر ومحبيه، وينالون جوائز نقدية ممتازة"، كما صرح في أحد حواراته عن تأثير هذا البرنامج في حركة الشعر في الوطن العربي قائلاً: "علاقة الإنسان العربي بالشعر علاقة عريقة ترجع إلى الأيام الأولى التي اشتعلت فيها ناره فوق رمال شبه الجزيرة العربية، وهو هويته التي تظهر فيها رؤيته للفرد والمجتمع والكون، وهو فنّه المعبّر عن أشواقه وأحلامه ومخاوفه، لذا لم يكن غريباً أن تحتفل القبيلة إذا نبغ فيها شاعر، وأن يغلب الشعر على كثير من الأسواق الجاهلية والإسلام كسوق عكاظ وسوق دومة الجندل وسوق ذي المجاز وسوق المشقر وسوق الرابية وسوق المربد وسوق الكناسة، وغيرها، ليكون أهمّ ركيزة من ركائز الثقافة العربية على امتداد العصور، في وقت تتعرض فيه هذه الثقافة لتسونامي العولمة، وتبدو القلعة الأخيرة التي لم تسقط بأيدي الغزاة بعد وهي تقاتل قتالاً تراجعياً عن هويتها التي تتقاذفها العواصف والأمواج، وفي هذه المرحلة اليباب من مراحل الثقافة العربية تطل أبو ظبي على الوطن العربي ببرنامج "أمير الشعراء" فتحيي تقليداً ثقافياً عريقاً هو تقليد الأسواق الشعرية القديمة، وتطبع هذا التقليد بطابع العصر الحاضر، وتبثّ فيه روح هذا العصر، وتجمع بين الأصالة والحداثة والحرص على الهوية وتنميتها".
وحول تأخر النقد عندنا عن الإبداع ولرومية فيه العديد من الكتب كان يقول: "النقد هو قراءة موضوعية ذاتية للعمل الإبداعي تحاول تفسيره وتقريبه، وهو تعقيب وهوامش على الأعمال الإبداعية، ولولا وجود هذه الأعمال لكان وجود النقد مستحيلاً، وأعلم أن هذا الرأي قد يُغضب بعض النقاد ويظنونه استخفافاً بهم وبما يكتبون، وقد يستظهرون على غضبهم بأسماء لامعة في تاريخنا النقدي كالجرجاني والآمدي من القدماء، وفلان وفلان من المعاصرين، وأنا لا أنكر أهمية هؤلاء النقاد، ولكن كيف كان سيكتب الجرجاني وساطته لولا المتنبي؟ وكيف كان سيكتب الآمدي موازنته لولا وجود أبي تمام والبحتري؟ والحديث قياس كما يقول الفقهاء.. إن من طبائع الأمور أن تتقدم الأعمال الإبداعية على النقد، وهذا شأن الإبداع والنقد في كل آداب العالم، أما لماذا لم يواكب النقد العربي الأعمال الإبداعية العربية، فالإجابة عن هذا السؤال تستدعي الظروف التاريخية للثقافة العربية المعاصرة واضطراب مفهوم الهوية وعلاقته بالآخر، وهو اضطراب ظهر منذ بداية عصر النهضة العربية.. إن النقد خطاب تصوري يتصل بالثقافة اتصالاً وثيقاً، أما الإبداع فخطاب تخييلي، ولا سيما الشعر، وهو مرهون بالموهبة الفردية أولاً، ثم بالثقافة ثانياً، وما تزال الثقافة العربية ثقافة مأزومة تبحث عن هويتها، وهذا موضوع شاسع ينبغي أن تُعقد له المؤتمرات، وعلى الرغم من كل ما تقدم أرى أن النقد العربي يحاول بدأب مواكبة الأعمال الإبداعية".
نال كتاب وهب رومية "الشعر والناقد من التشكيل إلى الرؤيا" جائزة معرض الكويت الثاني والثلاثين للكتاب عام 2007 كأفضل كتاب مؤلَّف في الفنون والآداب والإنسانيات باللغة العربية، وفيه احتفى رومية بالنص الشعري دون أن يقطع صلة الظاهرة الشعرية بالظواهر الاجتماعية الأخرى، محتفظاً لها باستقلالها النسبي وبنوعها المتميز، حيث يقول: "إذا كانت الظاهرة الشعرية لا تقدم العالم الذي تتحدث عنه كما هو فإن النقد لا يقدم الشعر كما هو فحسب بل يقدم أيضاً رؤيته لهذا الشعر وموقفه منه، وهو بذلك يصدر عن مفهومات شمولية تتجاوز الشعر واللغة وتتصل بالإنسان وقضاياه الكبرى في علاقاته بالكون والعالم والمجتمع".
كما شكَّل كتابُه "شعرُنا القديم والنقدُ الجديد" محاولة جادّة في التأصيل لمنهج عربي في قراءة الشعر العربي القديم تنطلق من الوعي الشمولي للحياة التي شكَّلت هذا الأدب، ولوظيفة الشعر، مع الأخذ بالأدوات النقدية الحديثة دون أن تكون هذه الأدوات مقصودة لذاتها، وعرضَ فيه بعض ملامح النقد العربي المعاصر وموقفه من النقد الأسطوري للشعر العربي القديم، وخاصةً الجاهلي منه.
وحين كان رومية يتحدث عن ملامح من تجربته التي امتدت لنصف قرن قضاها في دراسة الشعر والتبحّر فيه كان يكشف عن الأثر الذي تركه الشعر في نفسه.
يُذكر أن الراحل وُلدَ في مدينة اللاذقية عام 1944 وكرَّس حياته لخدمة اللغة العربية وآدابها، وبدأ مشواره الأكاديمي في كلية الآداب في جامعة دمشق، ليواصل دراساته العليا في مصر، حيث حصل على درجة الماجستير بامتياز في الأدب العربي من جامعة القاهرة عام 1974 وبعد سنوات من العمل الأكاديمي والدراسات المتعمقة حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب القديم عام 1977 بمرتبة الشرف الأولى، وتولى عدة مناصب مرموقة، أبرزها منصب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق، رئيس قسم اللغة العربية في جامعة صنعاء لعدة سنوات، وهو عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، وعمل باحثاً محكّماً في سلسلة عالم المعرفة ومؤسسة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري (حوليات كلية الآداب- الكويت) ومجلة الدراسات العربية والإسلامية- الإمارات العربية ومجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسانية، وغيرها، وقد منحَه اتحاد الكتّاب العرب في سورية عضويّة الشرف تقديراً لثقافته وعلمه، كما تمّ اختياره ليكون عضواً في هيئة تحرير مجلة "التراث العربيّ" الصادرة عن الاتحاد، وكذلك مجلة "إبداع" المصرية ومجلة "اليمن الجديد" وغيرها، وقد نال العديد من الجوائز، آخرها جائزة الإبداع في مجال نقد الشعر من مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري 2024.. ومن مؤلفاته: "الرحلة في القصيدة الجاهلية، قصيدة المدح حتى نهاية العصر الأموي بين الأصول والإحياء والتجديد، من قضايا الثقافة".