من الذاكرة.. أزهار خريفية
2025.02.01
وليد مراد السباعي
كان والدي مراد السباعي بمكتبه في فرع اتحاد الكتاب العرب بحمص صبيحة يوم خريفي وكان قلمه يخربش على الورق عندما سمع نقرة خفيفة على الباب ووجه نسائي جميل يطل بابتسامة رقيقة وسمع التحية بلغة عربية مكسرة:
- صباح الخير..
- أهلا وسهلا.. تفضلي..
ودخلت سيدة في نهاية الأربعينات من عمرها فيها كل سحر سن النضج عند المرأة..وتبعها شاب عرف عن نفسه أنه المترجم...
- أنا إسمي (ليديا).. من أوكرانيا. جئت إلى حمص مع زوجي الذي يعمل كخبير هنا.. أهتم كثيرا بالأدب والثقافة وأعمل في كييف في مجال الثقافة وقد سمعت عنك فرغبت بالتعرف عليك..
رحب والدي بها وقد أصبح أسير تلك الأنوثة الطاغية وذاك الحضور الجميل.
.. ثم تتالت اللقاءات عدة مرات إلى أن جاءت ذات يوم ومسحة من الحزن تلوح في محياها الجميل.. سأعود إلى كييف غدا فقد انتهى عمل زوجي هنا ولا بد من العودة... ولكن هذا هو عنواني.. أنا بانتظار رسائلك..على فكرة سنترجم كتابك عن قصص الأطفال (هدية عيد الأم) إلى الأوكرانية وسوف أبعث إليك ببعض النسخ..
وسافرت ليديا.. وسافرت الرسائل بعدها ذهابا وإيابا وقد أصبحت أنا الكاتب لرسائل والدي باللغة الإنكليزية والمترجم لرسائل ليديا وقد صدقت في وعدها فأرسلت نسخا من كتابه (هدية عيد الأم) مترجمة إلى الأوكرانية...
دعي والدي إلى الذهاب إلى موسكو ضمن وفد من الكتاب السوريين لحضور مهرجان الكاتب الروسي بوشكين وكان من أعضاء الوفد على ما أذكر الشاعر يوسف الخطيب والأديب نديم محمد.. وقبيل سفره طلب مني أن أكتب رسالة عاجلة إلى ليديا بالإنكليزية أخبرها أن مراد السباعي في موسكو لحضور مهرجان بوشكين وأنه يتمنى رؤيتها هناك.. وفعلا أرسلت الرسالة..
ألقى والدي كلمة سوريا في المهرجان ثم عاد إلى الفندق.. وبينما كان في غرفته سمع نقرة على الباب فوثب قلبه..لقد سمع ذات النقرة من قبل وعندما فتح الباب كانت ابتسامة ليديا الساحرة هي التي تحتل المشهد...
كانت تحمل أصيصا من نبات (سان سيفريا) وقالت: أعرف محبتك وهوايتك للنباتات.. فجلبت لك تلك الهدية.. (لا زالت تلك النبتة تتواجد في منزلي وتتكاثر وتذكرني بهذا الحب الخريفي)..
دعاها والدي لمأدبة غذاء مع أعضاء الوفد وعندما أراد أن يدفع الحساب فوجئ أن ليديا قد دفعته مسبقا..
وعاد والدي إلى حمص وعادت قوافل الرسائل تسير بين حمص وكييف...
وقعت حادثة المفاعل النووي تشيرنوبل في أوكرانيا والذي حصد مئات الآلاف من الضحايا.. وكان والدي قلقا على ليديا فبعث برسائل متتالية ولم يتلق أي جواب... إلى أن جاءته رسالة غريبة، قدمها لي لأترجمها.. كانت الرسالة تقول: لاداعي لإرسال تلك الرسائل فالسيدة ليديا قد ماتت بسبب حادثة المفاعل النووي...
كانت صدمة كبيرة لوالدي.. وبقيت تلك النبتة الجميلة تنمو وتذكره بهذا الحب الخريفي..
هناك بعض الأشجار تزهر في الخريف ولكنها لا تثمر وسرعان ما تصبح ضحية لصقيع الشتاء...
-الصورة لوالدي مع ليديا وفي الخلف يقف المترجم..