كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الحرية والمنفى عند محمد الماغوط وحيدر حيدر

أمينة عباس

لم تكن الجلسة التي عقدتْها جمعية القصة والرواية ضمن اجتماعها الأخير في اتّحاد الكتاب العرب والتي تناولت فيها موضوع "الحرية والمنفى في الرواية والأدب.. محمد الماغوط وحيدر حيدر أنموذجاً" إلا للتأكيد على الدور الذي يجب أن يلعبه الكاتب في هذه المرحلة الجديدة التي تعيشها سورية وضرورة أن يحطم أغلاله ويتخلص من مخاوفه التي كانت تقف في وجه إبداعه ليقوم بمهمته على أكمل وجه في التعبير عن المجتمع وأفراده.

ويشير مقرر جمعية القصة والرواية في الاتحاد أ.عماد نداف في بداية حديثه إلى أن أدب المنفى هو نتاج أوروبي بامتياز ازدهر بين الحربين العالميتين عندما سادت الأنظمة العسكرية الشمولية، وعلى هديه بعد ذلك سار أدب أميركا اللاتينية عندما اعتلت الأنظمة الديكتاتورية سدة الحكم في تلك البلاد.. ويضيف قائلاً: "كلمة المنفى اسم مكان من الفعل نفي بمعنى رفض وأبعد ولا أجد كلمة في اللغة العربية أوضح دلالة على القهر والظلم، وأشد قسوة على النفس من كلمة المنفى".
ويذكر نداف أن المنفى يكون لأسباب ذاتية، ويسمى هذا النوع المنفى المجازي، حيث يشعر فيه الأديب بالاغتراب وعدم الانتماء وإن كان يعيش في وطنه: "وربما يكون هذا النوع من أشد المنافي قسوة على النفس، حتى أن الأديب يرغب في أن يترك جماعته ليعيش في الغابة بين الحيوانات الكاسرة، أما الحديث عن المنفى العربي فيجعلنا نشير إلى نقطة مهمة وهي أن الكثير من النقاد يغفلون أن نفي المبدع لم يتم بشكل قسري معلن من قبل السلطة، بل برغبة ذاتية فيها الكثير من دوافع متوهمة عن واحات حرية التعبير والأرزاق التي تقطف من الأشجار" وفي حالة الكاتب الروائي والقصصي حيدر حيدر يبيّن نداف أنه "يعبّر عن مشروع الرفض السياسي والاجتماعي والأدبي في سورية في مرحلة ظهور الرواد من الأدب السوري الحديث، ففي أوراق المنفى يسجل شهادات قاسية وجارحة عن زماننا العربي، لذلك أطلق عليه كاتب البأس والقسوة، والنهار المهزوم بالظلمة، والحزن والموت المخيم فوق أرواحنا المستلبة والكتيبة، فقد عاش حيدر ظروف القهر السياسي في مراحل بارزة من تاريخنا المعاصر، وكان ذا صوت مرتفع ساخط وجريء كما هو الحال في محتوى أعماله الشهيرة، وخاصة روايته وليمة لأعشاب البحر التي مُنعت في مصر، ثم في سورية، ثم ما لبثت أن انتشرت كالنار في الهشيم، وهي تناقش الواقع السياسي والاجتماعي في العراق والجزائر في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذان البلدان يتطابقان رغم البعد الجغرافي والاختلاف التاريخي في العصبية والثورة والايديولوجيات, فالقالب نفسه حتى وإن اختلفت القشرة الخارجية، والعنصر المشترك بينهما هو الثورة والضياع والإخفاقات والأوجاع واللامنطقية".
ويرى عماد نداف أنه من الطبيعي أن لا ينحصر النقاش في رواية "وليمة لأعشاب البحر" لأن حيدر حيدر نشر الكثير من الأعمال الجريئة منها "حكايا النورس المهاجر (قصص)، الفهد ، الومض، الزمن الموحش، الفيضان (قصص)، الوعول، مرايا النار، فصل الختام (رواية)، أوراق المنفى.. شهادات عن أحوال زماننا (وثائق)، غسق الآلهة (قصص)، شموس الغجر (رواية)، و"يوميات الضوء والمنفى" التي روى فيها مسيرته منذ خروجه من القرية إلى مدينة طرطوس ثم إلى مدينة حلب، ومنها إلى دمشق وبيروت، وصولاً إلى قبرص والجزائر وباريس، ليؤكد نداف أن حيدر ترك أثراً في الرواية العربية عبر رواياته عن الصراع ليس بين الفرد والمجتمع وحسب، بل بين قوى مناضلة صاعدة وقوى معادية للشعب وتطور التاريخ نحو المستقبل الأكثر عدالة والأكثر تقدمية.
ويختتم نداف كلامه بالإشارة إلى أن أدباء كثيرين وجدوا في المنفى البيئة المناسبة لإنتاج أعمالهم، فكان المنفى عندهم تجربة خصبة ألهبت آلامها العواطف وأثارت الأفكار وشحذت الهمم، فلولا المنافي لم تكن النتاجات الرائعة التي تحمل في عناوينها مفردة المنفى مثل "أوراق المنفى" لحيدر حيدر، "الحب في المنفى" لبهاء طاهر و"سرديات المنفى" لمحمد الشحات، وغيرها.
وفي وصفه للمنفى استعان أمين سرّ الجمعية الأديب غسان حورانية في حديثه عن "محمد الماغوط.. الحرّيّة والمنفَى" بما قاله إدوارد سعيد عن أن المنفى أكثر المصائر إثارة للحزن، وأنّ النفي والطرد منذ القدم يعدّ عقاباً مروّعاً للشخص المنفيّ، وقد جهدَ الكتّاب منذ زمن طويل في توظيفِ الأدب للتعبير عن المنفى، وما يكتنفه من معاناة" ويستشهد حورانية بما كتبه محمد الماغوط والمنسجم مع ما قاله سعيد: "في القرية يقولون لي: مكانك ليس هنا، في المدينة يقولون لي: مكانك ليس هنا، في الوطن يقولون لي: مكانك ليس هنا، وفي المنفى يقولون لي: مكانك ليس هنا، أين مكاني إذاً؟ في الفضاء؟".
ويبين حوارنية أن شعلة حياة الماغوط الأدبيّة بدأتْ بعد دخوله السجن على خلفيّة انتمائه إلى الحزب القوميِّ السوريِّ الذي لم يدخله أصلاً انتماءً لمبادئه التي لم يقرأها، بل دخله لقربه من بيته واحتوائه على مدفأةٍ تقيه البرد، فحبّر في السجن قصيدته الأولى على أوراق السجائر عبّر فيها عن ألمه ومآسي شعبه، وبعد خروجه عبر إلى بيروت هارباً مُطارداً، وكانتْ بيروت حينها قبلة الشعراء المُثقّفين، وكانت الحرّيّة هي الملاذ والمآل للفكر الأدبيِ السياسيِّ للماغوط، وقد لعبت البيئة السياسيّة والاجتماعيّة المضطربة دور في تشكيل ثقافته وتوجّهه وتكوين حياته الأدبيّة، فهو نشأَ في فترة الاحتلال الفرنسيِّ، ثم عاصر الانقلابات العسكريّة المتتالية على سورية، وما تخللها من ظلم وقمعٍ سياسيّ تجسّدَ أخيراً برأي حورانية خلال فترة الحكم الأسديّ البائد الذي دامَ أربعةً وخمسين عاماً، فاستخدم الأدبَ الساخرَ وسيلة للتعبيرِ عن اشتياقه للحريّة ورفضه حياةَ المنفى والظلم والقمع والاستبداد. 
ويؤكد حورانية أن الماغوط مرآة حقيقيّة للقلوب المتألّمة التي كاد التوقُ للحرّيّة يفتك بها، فحاول أن يخدشَ بأظفاره الحادّة الوجه القميء للحاكم المستبد ليُحرك في القلوب المنكسرة الأمل والوعْي بحتمية النجاة نحو الكرامة والعلياء. 
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"