مخيم الزعتري: في رواية "في مدن الغبار".. حفنة من ثلج في أتون اللجوء
2025.02.08
جمانة طه
بعد مجموعتيها القصصيتين "البيت الأولاني "و"شوكلاته سوداء" اللتين حققتا حضورًا في المشهد الثقافي المصري، أصدرت الأديبة أمل رضوان روايتها الأولى" في مدن الغبار" التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة نجيب محفوظ للعام 2021
.....
تنهض الرواية على تجربة إنسانية عاينت الكاتبة تفاصيلها في مخيم الزعتري، وقد وصلت إليه كمترجمة في بعثة أممية مع منظمة "حقوقيون بلا حدود"، مهمتها تقصي الحقائق وإعداد تقارير عن أحوال اللاجئين وأوضاعهم.
استوقفتني في الرواية عتبات ثلاث:
1-العنوان، وهو أول تجليات الخطاب التي يقابلها القارئ قبل أن يشرع بالقراءة، وقد تفتح دلالته بعض ما كان يتوقعه.
2-الإهداء، وما يحمل في كلماته المعدودات من حزن وضياع وفقد وأمل.
"إلى كل من غادر وعاد/ إلى كل من غادر ولم يعد
3-العنوان الصادم" طحين ومدفأة وغشاء للبكارة". وهذا العنوان يتربع على الفصل الأول من الرواية، ويشكل استهلالًا أو مدخلًا للولوج إلى عالمها. فيغدو بما يتضمنه، الأكثر التحامًا بالمتن الروائي.
"البنات كل يوم رايحين جايين ع صالون ديما بدخلة سوق الشانزيليزيه ليستأجروا أرواب العرس. خَرِجْ تساعدينا نِعْمل عملية ل "غزل" ترجعها بنت متل الأول.؟"
هذا ما طلبته الجدة أم مازن من المترجمة. فأم مازن هي الأم الطاعنة في السن التي ذبح خمسة من أبنائها أمام عينيها، وهي الجدة التي قُتل سبعة من أحفادها الذكور، وهي الحماة التي اغتصبت كناتها، قبل أن يلقين بأنفسهن من شرفات الدار. غير أنها استطاعت بمساعدة بعض الناجين من القصف والتنكيل وبعض السماسرة أن تفر بحفيدة وحيدة نجت بعد محاولة انتحار فاشلة، عقب تعرضها للاغتصاب الوحشي عدة مرات من عصابات الحرب." ص73
تقدم الرواية من خلال التقارير التي تعدها البعثة الأممية عن كل خيمة وكل أسرة،
ما يشبه وثيقة تاريخية دالة على مرحلة بعينها في مخيم الزعتري الصحراوي الخالي من أدنى شروط الحياة الإنسانية.
والبعثة تضم المترجمة المصرية، و"ألما" الشابة الفلسطينية الأب السورية الأم التي عانت في مرحلة مبكرة من عمرها، من غياب وطن تنتمي إليه. فتنكرت لهويتها الفلسطينية، وانتسبت إلى سورية التي ولدت وعاشت فيها. ومع ذلك لم تطمئن نفسيًا وتتخلص من مشاعر التشرد واللجوء، إلّا بعد أن حصلت على بطاقة الإقامة في أميركا. وعن هذا، تقول: "ظلتْ لعنة الهوية تطاردني إلى أن سافرت إلى أرض الأحلام، رغبة في الحصول على دفتر أزرق داكن صغير يفتح لي عنوة الأبواب التي طالما غُلِّقت أمامنا، بسبب وثيقة سفر تَقرّ بِمَواطَنة بلا وطن وتفرض علينا عيشة اللجوء أينما وَلَّينَا وجوهنا." ص 30
ورئيس البعثة الدكتور فولك المقرر الخاص لحقوق الإنسان والأستاذ في القانون الدولي، الذي وهب حياته للدفاع عن المستضعفين في الأرض والبحث عن ضحايا الحروب والتهجير والتشريد، بعيدًا عن جنسياتهم وانتماءاتهم. ومما يحسب له أن قوات الأمن الإسرائيلي طردته في العام 2008 ومنعته منعًا أبديًا من دخول أراضيها.
.....
تلقي الرواية الإضاءة على أحوال السوريين الذين أووا إلى المخيم لاجئين، هربًا من دمار حوّل مدنهم أطلالًا ومنازلهم رمادًا وأجسادهم مبتورة، بفعل غرور القوة وغياب الرحمة من الروح. وتتضمن ما رأته وما عايشته الساردة التي أمضت في المخيم ثلاثة شهور كمترجمة، تتلمس فيه يومًيا أوجاع الناس وتنصت لكل ما يقال وتسمع ما يُحْجَب، وتدون حكايات كثيرة وحواشي أكثر.
"شاهدت "غزل" الصاروخ المتفجر الذي سقط على بيت الجيران، ورأت ضفيرة "فجر" صديقتها ولم ترها. اختفت الساحة الأمامية والجدار الذي يحدها، والزيتونة العتيقة ورفيقاتها اللائي كن يلعبن حولها."ص82
وفي يوم لم يكن كغيره من الأيام دَوّتْ انفجارات أضاءت السماء وأظلمتها. فجرت غزل في ناحية، وجرت جدتها أم مازن في ناحية أخرى. كان المكان مظلمًا تفوح منه رائحة العفن والروث وطفح المجاري، فتعثرت في كومة تبن وارتمت عليها.
تقول غزل: "سمعت أصوات أقدام كثيرة تقترب مني. لم أستطع الاستغاثة ب سِتِّي أم مازن. كتمت أنفاسي، لكنهم اكتشفوا مكاني. أتوا إليّ واحدًا تلو الآخر. جذبوا إيشاربي الأبيض الذي من أجله كان أَبُوِّي يعنفني، إن رآني خارج المنزل من دونه. جردوني من ملابسي، وتنابوا على اغتصابي. ظللت هكذا.. حتى وجدتني ستي. غطتني بإيشارب، وانطلقنا نجري في كل اتجاه. كانت تلطم وجهها وتصفعني وتحضنني، ثم تولول. غبت عن الوعي، وكنت أفيق على اهتزاز الشاحنة، ونواح خالاتي وصراخ الأطفال وقيئهم وبولهم وبرازهم، إلى أن وصلنا إلى مخيم الزعتري." ص83
في منطقة الشانزليزيه بالمخيم قامت المترجمة بتفقد أسماء الدكاكين لكي تختار واحدة منها، لتجري حوارًا مع صاحبها. وعندما لحظت لافتة تحمل اسم "مقهى جحا"،
أخذها الأسى إلى المقهى الذي يقع في وسط مدينة حلب ويحمل الاسم ذاته.
"مررت على المقهى في الصباح، تناولت قهوتي، تبادلت بضع كلمات مع صاحبه الحاج فؤاد حيث كان يجلس بوجهه البشوش وكرشه الضخم وعشقه للمصريين. ذهبت إلى عملي، وعند عودتي في المساء كان المقهى درة حلب قد اختفى، مع الحاج فؤاد والمقاعد الخشبية ورواده الذين تصادف وجودهم وقت الانفجار. اختفى المقهى واحتضن معه الفندق المجاور، والغرفة التي كنت أشغلها في الطابق الثالث." 45 بتصرف
.....
استخدمت الساردة في الرواية أسلوب التزواج، فانفتحت من الذاتي على العام وبالعكس. وداخلت الأحداث بين ما هو عام وجمعي، وما هو خاص وذاتي.
فلن يغيب عن قارئ الرواية ما تنطوي عليه أعماق الساردة من أحزان سواء من وفاة شقيقتيها واحدة في حادث سير والثانية بمرض السرطان، أم من ليلة زفافها التي شكلت لها عقدة نفسية لم تستطع التحلل منها.
ونلحظ هذا في ملامستها الواقع الشائك الذي يطوق المرأة في جسدها وروحها، بأسلوب يحفه وجع وقهر. " لم ينتظرني حتى أخرج من الحمام. لم يقرع الباب، ركله بعنف كما لو كان يَشنّ هجومًا على وكر للصوص أو على شقة مشبوهة. أخرجني من البانيو، وحملني إلى السرير. أمسك بذراعي الاثنتين، وهو مبتسم. لفهما خلف ظهري وارتمى عليّ بفظاظة، وحاول أن يدس نفسه بداخلي. بكيتُ بصوت عالٍ، واعتذرتُ في سري ل "عليٍّ" حبي الأول والأخير. نهض من فوقي والعرق يتصبب من جسده. ابتسمَ بخجل ثم ضحكَ بصوت عصبي مرتفع: محاولة اقتحام فاشلة. استراحة ونعود. تكررت المحاولات، على مدى ستة أيام. مع مرور الوقت ازداد توتره وازداد تورمي، إلى أن عرفنا من الطبيبة أن غشاء بكارتي مطاطي وسميك جدًا." ص 90
ولكي تتخفف الساردة من بعض الغصات التي تلتصق في قلبها قبل حلقها من روايات اللاجئات واللاجئين، وجدت غايتها في الذهاب إلى مقهى "سالوته" في عمان. "كنت أتجاوز الواقع لمستقبل متخيل أوقن أنه سيكون أكثر إشراقًا، حتى وإن كنا قد تركنا هذا الحاضر وأصبحنا ماضيًا. أتعلق بتلك الخيوط الواهية وأنسجها كرة ملونة للناجين من القتل والدمار والتنكيل، دون أي نية مني لخداعهم" ص 72
رأت في المقهى النساء الأربع اللواتي صادفتهن في رحلتها إلى منطقة البتراء السياحية، وقتلًا للوقت والضجر خلعتْ على كل واحدة منهن لقبًا رمزيًا يناسب طريقتها في المشي والحديث.
المُهرة، وهي أكثرهن صخبًا ونشاطًا وحيوية وتبدو أصغرهن عمرًا. "العنزة"، لصغر حجمها وقصر شعرها بصورة مبالغ فيها وسرعة حركتها وكثرة التفاتاتها. "الناقة"، لطولها الفارع وقسماتها المتجهمة. أما الرابعة فكادت أن تسميها ب الأتان، ولكنها عدلت عن ذلك إلى "المحجبة". ص26-27
تعددت الأصواتُ الساردةُ في الرواية، وإن اجتمعت ذبذباتها بيد الساردة الأولى.
فجميعها عانت بأشكال مختلفة من الهزيمة والقهر والوجع وضياع الحب والاستغلال البدني والمعنوي، فضلًا عن الإحساس بالمهانة والحصار الاجتماعي.
فالدكتور فولك أحب الصبية "رولا" من رام الله، وشعر بأنها وطنه الجديد. "وقتها كنتُ قد جاوزتُ الخمسين، وكانت هي شابة يافعة تنضح حيوية ونشاطًا وتمردًا وحبًا لا متناه لكل ما هو جميل. تغيرتْ رولا بفضلي كما تقول، وأقول إني نضجت بفضلها. واظبتُ على الذهاب إلى رام الله كل شهر على مدى عشرين عامًا، حتى بعد أن غادرتْهَا رولا إلى المجر. كنت أراها لا تزال في رام الله، أشمها في رائحة الزعتر البري، أرى شعرها المتوحش في أعشاب الأرض التي تنمو برغم توحش العساكر وثقل الدبابات. كل زيارة لي هي موعد معها ولها، ولقضية وهبتُ نفسي للدفاع عنها وعن كل المستضعفين في الأرض." ص97
و "المهرة" المختلفة عن صديقاتها بشكل يكاد يكون جذريًا من حيث النفسية والتصرفات، درست علم النفس في باريس بالسوربون. متحررة في الحد الأقصى، ولا تتحرج من التعبير عن رغبتها في ممارسة الجنس مع أي عابر يوفر لها المتعة. فتقول: "لم أرغب أبدًا أن أكون لاهية عابثة مستهينة بكل شيء وأي شيء، لكني أبدو هكذا أمام الجميع. نكاتي الفاضحة، ملابسي التي تظهر أكثر مما تستر، ضحكتي العالية المجلجلة اللافتة للأنظار، كلها ستار أو دثار أختفي خلفه حين يشتد بي الشوق. وددت فقط أن أنال قدرًا كافيًا من الحميمية والدفء والشبع. فهل هذا كثير؟" ص 135. عندما التقت بمراد في السوربون وتعرفت إليه، قبلت أن تتزوجه لأنه عرف مفاتيح جسدها وأشبع روحها. وحين فتر شغفه بالتواصل الحميم معها، تركته. إن التمرد الذي تتحلى به المهرة، يعده ألبير كامو ضربًا من الرفض للأعراف الاجتماعية، والإحساس بعبثية الحياة.
و"العنزة" تركها حبيبها ناجي، وغادر مصر مهاجرًا إلى أميركا. واللافت أن ناجي اتصل بها بعد سبعة عشر عامًا وتجربة زواج انتجت ولدًا وبنتًا، وطلب منها أن تتخلى عن خطيبها عزت وتتزوجه. واللافت أيضًا، أنها قبلت طلبه وتزوجته.
"مرت بنا السنوات ليس كما حلمتُ تمامًا، لكني اجتهدت كي أضفي عليها بعضًا من الحلم. لم يتغير ناجي كثيرًا، فهو يشعر بأنه محور الكون ومحيطه وحواشيه. تحملت، وكنت أدرس صباحًا حتى حصلت على الماجستير في تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية للأجانب. وبعد إصابة ابنه بسقطة عنيفة في مكان التزلج، تبدلت علاقتي بناجي فلم يعد الذي كان، ولم أعد أنا مَن كُنْتُهَا. فجاء قراري بالهروب، إلى أي مكان آخر". تركت العنزة أميركا وجامعة شيكاغو، ولم ترَ حرجًا في قبول عرض التدريس في جامعة مأدبا بالأردن. "فلتكن مأدبا أو بيروت أو زعبوط، لا فرق. كلنا لاجئين، تلفظنا أوطاننا أو نلفظها ونسعى إلى أخرى لعلنا نجد الملاذ والمأوى والملجأ." ص146، وص148 بتصرف
و "الناقة" عراقية من طائفة المسيحيين السريان، سورية الإقامة لبنانية التعليم مجرية الفكر، وفلسطينية الهوى. هاجرت مع أهلها من سورية إلى المجر، وهناك التقت بسالم المسلم والسياسي الفلسطيني. عاشت معه ثلاث سنوات كزوجين، من دون عقد زواج. وعندما ولد ابنهما جهاد، حررا الورقة الرسمية لتسجيله. وبعد تجوال طويل في المدن، استقر بهما المقام مترددين بين عمان للعمل ورام الله وطن سالم، إلى أن توفي سالم بجلطة في شرايين القلب.
أما "المحجبة" وبرغم صداقتها المتينة معهن، فتختلف عنهن ليس بالحجاب فقط، وإنما بالميول والاهتمامات. تصلي وتصوم، ولا تشرب معهن النبيذ ولا البيرة.
تتحدر هذه السيدة من أصول شركسية، لجأ أهلها إلى الأردن واستقروا فيه هربًا من عسف جيوش روسيا القيصرية. استوقفني ما قالته للساردة: "إن الشراكسة هم أصحاب الأرض ومالكيها. فهم الذين زرعوها، ودافعوا عنها. ولمّا جاء الآباء المؤسسون للملكة الأردنية ككيان سياسي، رحب بهم الشراكسة وأحسنوا ضيافتهم. لكن الأدوار ما لبثت أن تبدلت، وصار الوافد مالكًا والمالك الأصلي تابعًا على أرضه. واعترافًا من الملوك بالجميل، حرصوا على أن يكون الحرس الملكي من بين الشراكسة دائمًا. وتنهي بقولها: جئنا أسيادًا وانتهى بنا الحال حراسًا، وأكلنا هوا!" ص 109
في رأيي ما قالته خطيرًا، إذ كيف يمكن لقوم أتوا لاجئين إلى أرض ليست أرضهم ولا يتكلمون لغة أهلها، ومع ذلك يرون أنها أرضهم وسرقت منهم؟
وهنا أود الإشارة إلى أن الشراكسة منتشرون في بقاع كثيرة من العالم، بما فيها سورية. وبرغم شعورهم بالفخر بأصولهم ولغتهم، إلّا أنهم في الوقت ذاته مواطنون في الدولة التي يحملون هويتها.
.....
بدا المكان أو المخيم في الرواية كشخصية أولى، والمرتكز الأهم كحيز جغرافي يضم
عالمًا من البشر والكثير من تفاصيل حياتهم. فهو يحكي أوجاع سكانه وهم يحكون أوجاع المدن التي غادروها مرغمين.
وقد تمكنت الكاتبة من ترسيخ هذا الحضور برؤية توثيقية يتلخص هدفها في تأمين العيش الكريم والبيئة الآمنة في المخيم، وبانحياز إنساني إلى ضحايا حرب لا يد لهم فيها. فحاولت أن تمزق بقلمها غشاء الصمم عن الآذان وغلالة العمى عن العيون ليسمع العالم ويرى الواقع الصادم الذي يعيش فيه اللاجئون، وما يواجهون من مذلة ومهانة. ولا يخفى على كل ذي بصيرة هذا التلازم القائم بين اللاجئ والمخيم، وكأنهما أقنوم واحد. فكل منهما تَعوّدَ على وجود الآخر وألف رفقته، ولاسيما أن الأمل بالعودة إلى الوطن عند بعضهم يتضاءل يومًا بعد يوم بل ويكاد ينعدم.
.....
جاءت الرواية مرآة عكست خيباتنا الإنسانية ومآسينا الراهنة، وقدمت بأسلوبها لوحة بانورامية تعري الواقع الإنساني الهش، وتظهر تقاعسه في إيجاد حلّ يعيد هؤلاء المعذبين إلى ديار كانت عامرة بهم. وإذا كانت اللغة هي جلد الرواية وبشرتها الظاهرة للعيان كما يقال، فإن الكاتبة أمل رضوان استطاعت بمهارة أن تنتج رواية بلغة واضحة بعيدة عن اللغة الشعرية وتعقيداتها.