عن زياد الرحباني وأوجه الحزن عليه
2025.07.27
علم عبد اللطيف
معظم المتحدثين عن زياد الرحباني يُجمعون على عبقريته، لكن ما من مختص في الموسيقا قدّم دراسة اختصاصية في فنه الموسيقي، وهذا ينسحب أيضاً على الأعمال المسرحية التي قدمها.
زياد ابن فيروز وعاصي، وإذن افتراض عبقريته تحصيل حاصل.
ليس المقصود الإنتقاص من مواهبه وذكائه، لكن عمومية الأحاديث لا تحيل الى حالة مقنعة فيما يختص بقيمة الراحل، فمشروعه الفني لم يرق الى مستوى الشمول والثبات والتنوع الذي حظي به مشروع أسرته في خلال عقود طويلة. ولا يعادل في الحجم جزءاً صغيراً من مشروعها.
ولا أحد يحدد هل هو حزين على عبقري حقيقي في الموسيقا والمسرح، أم على ثائر وسياسي، أم على رجل صريح ومهضوم يقدم حديثه بطرق مبتكرة اقرب إلى الكوميديا!
في العموم لا أحد يشكك بموهبة زياد، أو في شجاعته بالخروج على النسق الغنائي والموسيقي الرحباني، باعتماده على طريقة جديدة في الألحان والكلمات. وفي المحمول العام لمسرحياته وأعماله. فهو ابتعد عن رومانسية الرحابنة التي بنى عليها جيل كامل ذائقته، في اللحن والكلمة، واقترب من واقعية هي مزيج من عفوية وثورة وجرأة والتزام شعبوي بقضايا الفقراء أكثر منه منهجي. ففي الوقت الذي كان فيه عمه منصور يرجع الى التاريخ في صيف ٨٤٠ وملوك الطوائف، كان زياد يقدم مسرحيته "فيلم اميركي طويل"، "وبالنسبة لبكرا شو".
فيروز غنت من ألحانه، بالتأكيد ليست لأنها أمه فحسب، بل لأنه قدّم لها مادة جديدة مختلفة عما تعرفه لدى ابيه وعمه، وانتقلت من رومانسية راقية وربما مخملية، إلى واقعية صادمة، فوجدت نفسها تولد فيروزاً جديدة، هذا ليس بالقليل، وإن كان زياد أخضعها لمادة لا تشبه ماضيها الفني، وقبلت، لا لتنسى ماضٍ لا يُنسى، بل لتساير زياداً في مشروع هدم المُقدّس ربما، وإن كانت جزءاً مهماً من مُقدّس اكتمل تشكله معها، لكن زياد لم يكن يفكر أن فيروز تتابع حالتها وتضيف الى مقدسها جديداً على حسابه، حين نجحت في تقديم ألحان شبابية قدمها لها.
بالعموم، زياد الرحباني شخصية تستحق الاهتمام، ليس لأنه وريث الرحابنة، وليس لأنه ثائر وتقدمي فقط، بل لشجاعته بتقديم حالة إبداعية منزاحة عن حالة أسرته، وهو أمر صعب بالنظر لشمول وتنوع وانتشار وضخامة المشروع الرحباني.
يبقى أن نقول: حقيقةً إن هناك كثيرين أحبوا زياداً لأنه ابن فيروز وعاصي. ومسألة نبوغ ابن النابغ من الأهمية والندرة بحيث تستحق الملاحظة. وحزنوا على رحيله للسبب نفسه. وتوقفه منذ زمن عن تقديم أية مادة فنية، ليس لنضوب موهبته بالتأكيد، بل لأن الزمن الحالي هو نقيض الفن عموماً، ولا يسمح بنشوء أو استمرار الحالات الإبداعية.
نحزن لرحيل زياد غير المتوقع، وعلى حزن فيروز التي لا تعرف من أين تدرأ نكساتها وخيباتها. ونحزن لحزن محبيه الكثيرين، من جيل تالٍ لجيل أبيه وأمه وعمه. ونحزن لأن من يموت الآن من المتميزين يُكمل سياقات خسارة مستمرة لدينا.