ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
2026.07.24
د. جوليان بدور
بما أن الجامعة مغلقة في هذه الأيام، وجميع أفراد أسرتي يقضون عطلتهم الصيفية في فرنسا (أبناء العالم الثالث لا يأخذون عطل صيفية)، فقد وجدت في هذه الأيام فرصةً مناسبة للعودة إلى كتابة أجمل ذكريات حياتي، ذكريات طفولتي القروية التي ما زالت تعيش في وجداني رغم مرور السنين. سأبدأ اليوم بنشر الجزء الأول، وعنوانه:
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
بعد رحلة عمر طويلة تنقلت خلالها بين وطني الذي ولدت فيه، سورية الحبيبة، والبلد الذي قضيت فيه القسم الأكبر من حياتي العائلية والمهنية، فرنسا الجميلة، أعتقد بأنه باستطاعتي اليوم القيام بالمقارنة بين عالمين مختلفين تمامًا: عالم طفولتي في قرية سورية فقيرة، وعالم الحياة في بلد صناعي متقدم ينعم فيه الأطفال بوسائل الراحة والتعليم والترفيه.
الأطفال الذي يولدون في الدول الأوروبية يجدون منذ سنواتهم الأولى الحدائق، والمكتبات، ومدن الألعاب، والنوادي الرياضية، والأنشطة الثقافية، وكل ما هو ضروري لتأمين نمو الطفل في بيئة مريحة وغنية بالفرص.
أما الأطفال الذين يولدون في الدول النامية والمناطق الريفية خاصة ليس فقط لا يجدون إلا ما ندر من الألعاب بل هم مدعوون إلى مساعدة الأهل في العمل بالارض وتربية الماشية .
اليوم، وبعد أن قاربت السبعين عامًا من العمر، كثيرًا ما أطرح على نفسي السؤال التالي:
ما الأثر الذي يتركه العمل في سن مبكرة، ورعي الأبقار، في شخصية الطفل ونظرته إلى الحياة؟
وللإجابة عن هذا السؤال سأقوم أولًا بوصف الحياة في قريتي خلال حقبة الخمسينيات ومن ثم سأتطرق إلى راعي البقرات الصغير والتحديات التي واجهها.
قريتي خلال حقبة الخمسينيات والحياة فيها
من حسن حظي أنني وُلدت في خمسينيات القرن الماضي، في أسرة ريفية بسيطة الحال تقطن قريةً في غاية الروعة والجمال. جمال قريتي لم يكن نابعًا من عزلتها وبُعدها عن ضجيج المدن ولا عن الهدوء والسكينة التي كانت تنعم بهم فحسب، بل أيضًا من كونها بقعة صغيرة تتدفق فيها الينابيع، وتغمرها المياه، وتكتنفها الأشجار البرية والمثمرة، وتحوطها الجبال من معظم الجهات.
وكغيرها من قرى الريف السوري آنذاك، كانت بيوت القرية متلاصقة ببعضها البعض لدرء الخطر الخارجي ربما، ومبنية من حجارة المنطقة وترابها، ومسقوفة بجذوع الأشجار والنباتات المحلية.
عدد سكان القرية لم يكن يتجاوز مئةً وثمانين نسمة، جميعهم كانوا فلاحين يعملون في الأرض، ويعتمدون بشكل شبه كامل على ما تجود به من محاصيل، وما تنتجه مواشيهم من غذاء. بسبب غياب الخدمات العامة والمرافق الحكومية، كل أفراد الأسرة، كبارًا وصغارًا، كانوا يتشاركون في زراعة الأرض ورعاية الماشية. كما كان معظم الأهالي أميين لا يجيدون القراءة والكتابة لعدم وجود مدرسة ومعلمين آنذاك.
أضف إلى ذلك لم يكن بالقرية فيها طريق معبد، ولا كهرباء، ولا سيارات. الناس كانوا يستيقظون على صياح الديكة، وينامون على خرير المياه في السواقي، وعلى أصوات بنات آوى والضباع القادمة أصواتها من الجبال.
لكن رغم الفقر وبساطة العيش وقلة الموارد ، كانت روابط المحبة والتكافل بين سكان القرية قوية ومتينة. في أوقات الفرح كما في أوقات الشدة، وفي مواسم البناء أو الحصاد، أو أثناء العمل في الأرض وجني المحاصيل، كان الجميع، أطفال ورجال ونساء، يهبّ للمشاركة بحماس وإخلاص، وكأنهم أسرة واحدة.
واليوم، كلما فكرت بذلك الأيام، أشعر أنني لا أستحضر مجرد مكان وُلدت فيه، بل أستعيد عالمًا كاملًا من البساطة والنقاء، حيث كانت الناس أكثر إنسانية وصدق وإخلاص وكان الإنسان أقرب إلى الطبيعة، وأكثر احترامًا لها وحرصًا عليها مما نراه اليوم.