كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

زمان يا حب.. أول موعد مع السينما وأول نافذة على عالم آخر

د. جوليان بدور

«زمان يا حب»… لم يكن مجرد أول فيلم أشاهده في حياتي في سينما أوغاريت باللاذقية، بل كان بوابة دخلت منها إلى عالم جديد، عالم لم أكن أعرف عنه سوى ما كانت تحمله الريح من حكايات.
ولدت وترعرعت في قرية صغيرة وادعة، يغمرها الجمال والهدوء، لكنها كانت بعيدة عن مدينة اللاذقية. لم يكن بيننا وبين المدينة طريق معبد، وكان الوصول إليها يتطلب السير على الأقدام أكثر من ساعة حتى قرية عرامو، لنستقل ميكروباص مظهر. لذلك أمضيت السنوات الخمس عشرة الأولى من حياتي داخل حدود قريتي، بعيدًا عن صخب المدينة وما تزخر به من خدمات ومظاهر للحياة الحديثة.
في عام 1973، وبعد نجاحي في الشهادة الإعدادية، بدأت مرحلة جديدة من حياتي. وبما أنه لم يكن في منطقتنا مدرسة ثانوية اضطررت بالذهاب إلى اللاذقية لمتابعة الدراسة في ثانوية جول جمال. كان ذلك الانتقال نقطة تحول حقيقية؛ فمن حياة القرية الهادئة إلى مدينة تنبض بالحركة، اكتشفت عالم المدينة بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات.
ومن أجمل ما اكتشفته آنذاك نعمة الكهرباء، وما حملته معها من أشياء كانت بالنسبة لي أشبه بالسحر: التلفزيون، والمحلات المضيئة، ودور السينما. لم يكن الاندماج سهلًا على فتى نشأ بين الحقول وأصوات العصافير، لكن الحياة كانت تفتح أمامي أبوابًا جديدة لم أكن أتخيلها.
أتذكر أن اللاذقية كانت تضم في ذلك الوقت دارين للسينما: سينما الأهرام وسينما أوغاريت.
في أحد أيام عام 1973م، قررت مع مجموعة من الصديقات الأنيقات والجميلات الذهاب إلى سينما أوغاريت لمشاهدة فيلم «زمان يا حب» للموسيقار الكبير فريد الأطرش. كان ذلك أول فيلم أشاهده على شاشة سينما في حياتي، ولهذا بقي اسمه محفورًا في ذاكرتي حتى اليوم.
قام ببطولة الفيلم فريد الأطرش في دور مدحت، إلى جانب الفنانة الجميلة زبيدة ثروت في دور عبير. أخرجه عاطف سالم، وكتب قصته يوسف جوهر، ويُعد من آخر الأفلام التي شارك في بطولتها فريد الأطرش رحمه الله.
تدور أحداث الفيلم في أجواء بيروت الساحرة في أوائل السبعينيات، حيث يلتقي المطرب الشهير مدحت بالراقصة عبير، وتنشأ بينهما قصة حب تواجهها المؤامرات والغيرة والطمع، قبل أن تنتصر المحبة في النهاية، مؤكدة أن الصدق والثقة أقوى من الخداع.
ولم يكن الفيلم مجرد قصة رومانسية، بل كان احتفالًا بالموسيقى والغناء. فقد تضمن مجموعة من أجمل أغنيات فريد الأطرش، ومنها:
* زمان يا حب، وهي آخر أغنية سجلها فريد الأطرش.
* عش أنت.
* فوق غصنك يا ليمونة.
* لأكتب على وراق الشجر.
عندما يشاهد الإنسان فيلمًا رومانسيًا مليئًا بالموسيقى العذبة وهو في ربيع العمر، فإن تلك اللحظة لا تمر مرورًا عابرًا، بل تبقى تسكن القلب سنوات طويلة. وربما لهذا السبب لم أستطع، منذ ذلك اليوم، أن أحب أفلام اليوم التي يطغى عليها العنف بكل أشكاله، وبقيت أميل إلى الأفلام التي تحتفي بالحب والجمال والموسيقى والرومانسية.
ما أحوجنا اليوم إلى ذلك الزمن.. زمن الحب، والصدق، والرقي، والإبداع، حين كانت الأغنية تُلامس الروح، وكانت السينما تزرع في القلوب الأمل قبل أن تنطفئ الأنوار وتبدأ الحكاية.
وأختتم بمقطع من أغنية لأكتب على أوراق الشجر:
لكتب ع اوراق الشجر… سافر حبيبي وهجر….
يا حبيبي دخلك عود… بيكفي غياب وسفر…
لكتب ع المفارق… الله يعين اللي مفارق…
ويا مرسال اللي مارق… ودي لحبيبي خبر...
زمان يا حب.. أول موعد مع السينما وأول نافذة على عالم آخر
مونتريال.. مدينة من ثلج وقلب
معركة ميسلون
مدرسة الطبيعة.. حيث تعلّمت أجمل دروس الحياة (الجزء الثالث)
أحفاد.. لكن بالترجمة
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل