عدنان بدر حلو: تفجيرات "لبنان أولا" هدفها "لبننة" سورية أو "تعريقها"!
نشر الكاتب عدنان بدر حلو, هذا المقال, للمرة الأولى, في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 4 شباط 1997, وكان سنتذاك يوقّع باسم عدنان بدر, هو الاسم الذي اقترحه عليه صديقه الشهيد غسّان كنفاني مطلع سبعينات القرن الماضي.
نصّ المقال
- خلال الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم شهدت الساحتان اللبنانية والسورية سلسلة من الأحداث الأمنية.. بدء من تعرض حافلة ركاب سورية لهجوم مسلح في منطقة طبرجا على الساحل اللبناني، وتفجير عبوة بالقرب من أحد مراكز المخابرات السورية في مدينة طرابلس شمال لبنان.. وانتهاء بتفجير إحدى الحافلات المدنية داخل العاصمة السورية في 31\12\1996.. وقد تردد أن حصيلته كانت حولي العشرين قتيلا بالإضافة لعشرات الجرحى من الركاب والمارة.
ما الذي يجمع بين هذه الأحداث؟
- هل هي عمليات متفرقة ترافقت في التوقيت بمجرد المصادفة .. وبالتالي فإن لكل منها أهدافه الخاصة ومنفذوه الذين تحركهم دوافع مختلفة؟
- أم هي سلسلة واحدة في سياق مخطط أوسع له أهداف أمنية وسياسية تتجاوز المعطيات والتناقضات الداخلية في كل من الساحتين؟
هنا لا بد من محاولة استقراء المعطيات المتوفرة وذات الصلة بكل من الاحتمالين المذكورين أعلاه:
في الحال الأولى : لا بد من التوجه بأصابع الاتهام نحو القوى السياسية المعارضة في كل من البلدين:
أولا- لبنان: حيث تتجه الأنظار مباشرة نحو أنصار القيادات المسيحية المعارضة (عون، جعجع، الجميل وشمعون).. والتي لا تخفي معارضتها لاستمرار الوجود السوري في لبنان ومطالبتها بخروج القوات السورية من الأراضي اللبنانية، واتهامها للحكم اللبناني الحالي بأنه مجرد أداة بيد دمشق.. لكن القيادات صاحبة هذه المواقف ليست من الغباء إلى درجة التعامي عن حقيقة أن المعطيات على الساحة اللبنانية، وفي ظل الأوضاع السياسية الإقليمية والدولية الراهنة، لا تمكنها من رفع شعار "تحرير لبنان بالعمل المسلح".. فمثل هذا الشعار محكوم، شاء أصحابه أم أبوا، بسقف هو تجديد الحرب الأهلية وفقا لموازين قوى مختلة في غير صالح تلك القوى السياسية المعارضة وفي غير صالح الطوائف التي تنتمي إليها.. وهي حرب لا يمكن لأية جهة لبنانية أن تحسمها لصالحها كما برهنت سنوات الحروب الأهلية التي تعاقبت على لبنان خلال العقدين الماضيين.
يضاف إلى ذلك أن القيادات المشار إليها تدرك تمام الإدراك، وأكثر من أي وقت مضى، (لاسيما بعد جولة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في المنطقة) أن الوضع الدولي حاليا ليس في وارد القبول بمثل هذا الشعار.. بل على العكس تماما إن أي أمل بخروج القوات السورية من لبنان مرهون، في قناعة الجهات الدولية النافذة (الأوروبية والأمريكية تحديدا) بتفاهم سياسي سلمي يشمل المنطقة كلها، ويكون للنظام السوري دور أساسي فيه.
فهل يعقل أن يزج الخاسرون في الحرب الأهلية السابقة، رغم الظروف التي كانت مختلفة محليا ودوليا، بأنفسهم في مشروع حرب أهلية يدركون قبل الشروع فيها بأنها خاسرة ومرفوضة سواء في الداخل أو الخارج؟
ثانيا : أما بالنسبة للمعارضة السورية التي غيبتها الظروف السياسية الداخلية والإقليمية والدولية إلى درجة الاضمحلال أو ما شابه، خلال السنوات الماضية، لاسيما بعد "حرب الخليج" الثانية .. فإن احتمال إقدامها أو إقدام بعض فصائل منها على القيام بأعمال عنف من هذا النوع داخل سورية، ضئيل جدا.. بل يكاد يكون معدوما.
فالقوى التي كان يمكن أن تقوم بمثل ذلك في السابق كانت محصورة في التنظيمات ذات الصلة بالعراق وتنظيمات التيار الإسلامي.. بالنسبة للفريق الأول، لا هو الآن في موقع القدرة على القيام بمثل هذه العمليات، ولا العراق الذي يمكن أن يدعمه هو في وضع من له مصلحة حاليا في ذلك، إن لم يكن العكس تماما حيث عبر المسؤولون العراقيون أكثر من مرة عن رغبة قوية في تطبيع العلاقات مع سورية. أما بالنسبة للفريق الثاني أي التنظيمات الإسلامية وبالذات "الإخوان المسلمون" فينطبق عليهم ما ينطبق على الفريق الأول من حيث القدرة والظروف، إضافة إلى أن إقدام بعضهم على القيام بمثل هذه العمليات عام 1986 كان قد اصطدم برد فعل شديد السلبية في صفوف المعارضة نفسها بما في ذلك قواعد "الإخوان".. حيث كان هناك رفض حاد لمثل هذا القتل العشوائي في صفوف المواطنين الأبرياء من أبناء الشعب السوري الذي تخوض المعارضة نضالها بحجة الدفاع عن مصالحه وقضاياه.
علما بأن الأوضاع والتاريخ السياسي هما في سورية غيرهما في الجزائر التي تشهد عمليات قتل عشوائي من هذا الطراز على أيدي بعض القوى الإسلامية المتطرفة.. والتي يختلف عنها "الإخوان المسلمون"السوريون اختلافا كبيرا.
يضاف إلى ذلك أن المناخ حاليا في صفوف التيار الإسلامي السوري بعد عودة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة إلى الداخل وبوادر الانفراج المرجح باتجاههم من قبل الحكم، هو مناخ مناقض تماما لاحتمالات التورط في مثل هذا النوع من عمليات العنف العشوائي.
لكل ما تقدم نرجح ألا تكون هذه العمليات من فعل قوى سياسية داخلية لبنانية أو سورية. وذلك بغض النظر عن هوية الأشخاص المنفذين الذين قد يكونون لبنانيين أو سوريين. وقد يكونون أيضا من أوساط معارضة هنا أو هناك.. لكن الجهات المحركة لهم هي جهات أخرى بالتأكيد.
في الحال الثانية: نحن نميل إلى تأكيد أن هذه العمليات مترابطة وهي جزء من مخطط أمني وسياسي لا يستهدف الوجود السوري في لبنان فحسب، بل يستهدف الوضع السوري كله.. دون أن نلغي احتمال أن تكون مقدمة هذا المخطط "لبنانية" بمعنى المباشرة به تحت شعار "لبنان أولا" الذي أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد فوزه في الانتخابات وتوليه سدة المسؤولية في إسرائيل.
ويلاحظ في هذا السياق أن هذه العمليات مرتبطة من حيث التوقيت مع أكثر من مؤشر في الاتجاه المشار إليه:
أولا : تجديد مشروع "لبنان أولا" في الفترة الأخيرة من خلال تصريحات إسرائيلية تعرب عن الاستعداد لقبول قوات متعددة الجنسية في جنوب لبنان تضم قوات مصرية وأردنية.
ثانيا : تهديدات أوري لوبراني منسق النشاطات الإسرائيلية في لبنان، للسلطة اللبنانية وتهديده بمعاقبة المسؤولين عن الملاحقات والتوقيفات التي جرت إثر الهجوم على الحافلة السورية في لبنان.
ثالثا : ما نشرته صحيفة "هآرتس" حول قيام وفد من وزارة الدفاع الإسرائيلية بزيارة فرنسا مؤخرا، ومناقشته مع المسؤولين في وزارة الدفاع الفرنسية لمستقبل الوضع في الجنوب اللبناني.
رابعا : ما أعلن رسميا في إسرائيل قبل حوالي الشهرين عن وجود وحدة خاصة من جيش الدفاع الإسرائيلي عاملة دخل الأراضي اللبنانية وراء المنطقة المعروفة باسم "الشريط الحدودي"، وقيامها بعمليات خاصة في العمق اللبناني!!
يضاف إلى ذلك أيضا أن "لبننة" سورية (بالاضطرابات الداخلية) أو "تعريقها" (بعدوان خارجي) يشكلان هدفا استراتيجيا بالنسبة لإسرائيل، من أجل القضاء على ما تشكله سورية من قوة عسكرية أو سياسية أو حتى إمكانية قوة، قبل الوصول معها إلى تسوية. لاسيما بعد أن فشلت في الوصول إلى مثل هذا التحجيم عن طريق الشروط التي طرحتها خلال المراحل السابقة من المفاوضات.
تنويه: المقال موجود كذلك, في كتاب "تدمير سورية" الصادر عن دار نون4 في حلب نيسان 2014
