813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عدنان بدر حلو: من أهداف الضربة الأمريكية.. الإجهاز على العراق وسورية!

نشر الأستاذ عدنان بدر حلو هذا المقال للمرة الأولى في 7/2/1998  في "القدس العربي".. وغني عن البيان أنّه كان ينشر باسم عدنان بدر, وهو الاسم الذي كان اقترحه عليه الشهيد غسذان كنفاني (كما أسلفنا مراراً) مطلع سبعينات القرن الماضي.

من أهداف الضربة الأمريكية.. الإجهاز على العراق وسورية!

 

خلال جولتها "العراقية" الأخيرة على أوروبا والشرق الأوسط، كانت مادلين أولبرايت حريصة على لقاء الملك حسين في لندن والتداول معه بشأن الأزمة الحالية بين بغداد وواشنطن وموضوع الضربة العسكرية الأمريكية المبيتة ضد العراق.

مباشرة بعد ذلك اللقاء، بعث العاهل الأردني لشقيقه ونائبه الأمير حسن برسالة نشرت في عمان، تحذر من خطورة الوضع وجدية التهديد الأمريكي وما يمكن أن ينجم عنه من مآس ودمار.

وقد تزامن نشر تلك الرسالة مع قيام الحكومة الأردنية بإجراء اتصالات مع الأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى المعنية بشؤون اللاجئين من أجل اتخاذ الاستعدادات اللازمة لاستقبال ما بين 300 ألف و350 ألف لاجئ عراقي يتوقع أن تشردهم الضربة الأمريكية وتدفع بهم إلى التدفق على الأراضي الأردنية.

وفي اليوم التالي أجرى الأمير حسن لقاء مع إحدى القنوات التلفزيونية الفضائية العربية أعلن فيه أن الضربة الأمريكية للعراق ستكون هذه المرة مدمرة أكثر من أي مرة سابقة، سواء من حيث التدمير المباشر الذي سوف تحدثه أو الاقتتال الداخلي الذي سيعقبها لفترة طويلة.. وقد ذكّر الأمير حسن بالحرب الأهلية في البوسنة والهرسك.

ماذا يعني هذا السيناريو الذي "يحذر" منه ولي العهد الأردني؟

إنه يعني بصريح العبارة أن هدف الضربة الأمريكية المبيتة هو تمزيق العراق هذه المرة.. وتحقيق واحد من أهم أهداف الأمن الاستراتيجي لإسرائيل التي ستظل تنظر للقطر العراقي، طالما هو كيان موحد، كخطر كامن عليها ومصدر تهديد دائم لها.. فمقومات هذا القطر البشرية والاقتصادية تشكل ثوابت مقلقة بالنسبة للكيان الصهيوني، بغض النظر عن المعطيات السياسية التي يمكن أن تطرأ عليها تغيرات تبعا للظروف.

ثمة إجماع لدى مختلف المراقبين أن "حرب الخليج" الثانية رغم كل ضراوتها قد فشلت في تحقيق هذا الهدف. ويمكن إيراد عدد من الأسباب التي حالت دون الوصول بتلك الحرب إلى هدف تمزيق القطر العراقي:

أولا: الخوف الأمريكي من تقديم خسائر بشرية كبيرة في حال مواصلة الحرب للإجهاز على الجيش العراقي وبالذات نخبته المتمثلة في قوات الحرس الجمهوري الضاربة.

ثانيا: الخوف على التحالف الذي جرى تجميعه ضد العراق تحت شعار "تحرير الكويت" وبالذات مما يمكن أن يعكسه هدف تمزيق العراق على مواقف دول عربية أساسية وذات أهمية نوعية استثنائية بالنسبة لذلك التحالف..نعني مصر وسورية.

ثالثا: المخاوف السعودية خاصة والخليجية عامة من الدور الإيراني المحتمل في جنوب العراق، وما يمكن أن يشكله من تحديات مباشرة بعد أن يصبح على مقربة من حقول النفط وأبار التوتر السياسي والاجتماعي والمذهبي في الجزيرة والخليج.

رابعا: مخاوف تركيا من احتمالات الاستقلال الكردي في شمال العراق وآثار ذلك على الأوضاع الكردية داخل تركيا نفسها.

-         ترى ما الذي تغير الآن عما كان عليه الأمر عام 1991؟

-         لقد مرّت مياه كثيرة في شط العرب:

أولا: بالنسبة للولايات المتحدة التي باتت تملك عن طريق فرق التفتيش داخل العراق والمنشقين العراقيين في الخارج، معلومات استخبارية أوسع وأدق مما كانت تملكه عام 1991، أصبح أسهل عليها الآن وضع خطة قصف جوي أو بحري بعيد المدى لتشتيت الوحدات العراقية الأساسية وكسر عمودها الفقري دون الزج بقوات أمريكية برية.. وبالتالي دون المغامرة بأرواح جنود أمريكيين من أجل تحقيق هذا الهدف.

يضاف إلى ذلك احتمال أن يكون قد تراكم لدى الأمريكيين وشركائهم العرب وغير العرب، من مجاميع المنشقين والمعارضين والمرتزقة العراقيين، ما يمكن تحشيده على الحدود، سواء في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، لاستخدامه في اللحظة المناسبة من أجل استكمال ما تكون قد حققته عمليات القصف الجوي والبحري.

ثانيا: إن التحالف الذي جرى تجميعه عام 1991، لم تعد له أهمية تذكر بالنسبة للولايات المتحدة ومخططاتها وتحشيداتها الكثيفة في المنطقة.. والدليل هو ذلك المصير البائس الذي انتهى إليه تجمع "إعلان دمشق".

ثالثا: المخاوف السعودية والخليجية من امتدادات الدور الإيراني جنوب العراق.. هي الأخرى تعرضت لمستجدات لا يمكن تجاهلها:

1-    إن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة يشكل نوعا من الحماية المباشرة لحكام الجزيرة والخليج في مواجهة ذلك الدور الإيراني.

يضاف إلى ذلك أن هذا الوجود الأمريكي يصبح ضرورة بالنسبة لأولئك الحكام أكثر مما هو حاليا بعد تضاؤل حجم التخويف العراقي.

2-    يتحول جنوب العراق بالتالي إلى فخ أمريكي بالنسبة لإيران وبوابة للتحرش بها في أي وقت تتطلب مخططات أمريكا ذلك. وهو في الوقت نفسه فزاعة جديدة بالنسبة لحكام الجزيرة والخليج تجبرهم على المزيد من الطواعية وبالتالي "الدفع" بين أيدي واشنطن.

كما يضاف إلى ذلك أيضا أن الحوارين الجاريين حاليا بين واشنطن وطهران، ثم بين طهران وعواصم الشاطئ الجنوبي الغربي من الخليج، يساهمان مساهمة مباشرة في التخفيف من حدة تلك المخاوف التي كانت قائمة عام 1991.

رابعا: أما المخاوف التركية من الحالة الانفصالية الكردية في شمال العراق، فهي الأخرى تعرضت للكثير من التعديل والتغيير خلال السنوات الماضية. فما تحقق من تغلغل تركي داخل المشكلة الكردية العراقية أصبح يتيح لأنقرة فرصة الاستفادة من شمال العراق كمنطقة تصدير لأزماتها الداخلية مع أكرادها.. إذ يتحول الانفصال الكردي العراقي كله إلى شريط حدودي آمن يمتص طاقات وزخم حزب العمال الكردي ويحول دون تأثيرها في الداخل التركي خاصة بعد أن يزداد ضعف العاصمة العراقية في أعقاب الضربة والتقسيم، ويزداد حضور الخبرة والتقنيات الإسرائيلية في ذلك الشمال، ولصالح التحالف الاستراتيجي الجديد بين أنقرة وتل أبيب.

وهكذا نرى أن معظم المخاوف التي كانت تعرقل تحقيق الهدف الصهيوني الاستراتيجي في العراق قد اضمحلت خلال السنوات الماضية.. وبالتالي فإن الطريق مفتوح أمام إنجاز السيناريو الذي "يحذر" منه الأمير حسن ولي العهد الأردني.

غير أن هذا السيناريو ليس إلا المقدمة لخريطة أوسع بكثير من الحدود التي أشار إليها نائب الملك الأردني.

إننا بالقطع أمام مخطط كامل يمكن أن يطلق عليه "خنجر إسرائيل-2" بالمقارنة مع "خنجر إسرائيل" الأول الذي كان صديق العرب الكبير الصحافي الهندي كارانجيا قد نشره في كتاب عام 1966 أي قبل عام كامل من عدوان حزيران وكان يحكي فيه بالتفصيل عن ذلك العدوان المبيت وأهدافه.

أول محطات هذا المخطط الجديد هو وضع اليد الأمريكية – الصهيونية بشكل مطلق على المنطقة العربية. وهذا لا يكون بدون الإجهاز على العراق وسورية معا.. وليس من قبيل المصادفة على الإطلاق أن يجري الإعداد للضربة الأمريكية المبيتة ضد العراق في الوقت نفسه الذي يجري فيه الحديث عن المباشرة في تنفيذ مشروع نتنياهو المعروف باسم "لبنان أولا".. وإن كان بتسمية تضليلية هي تنفيذ القرار 425!! الذي كانت أمريكا وإسرائيل ترفضان إلى وقت قريب الاعتراف به، إلى درجة رفضهما إدراجه في أسس مؤتمر مدريد إلى جانب القرارين 242 و338!!

إن استعجال الولايات المتحدة لإنجاز عملية هضم المنطقة العربية وترتيب أوضاعها بصورة نهائية يحمل هدفا آخر لا يقل أهمية ، هو التفرغ قبل استيقاظ الدب الروسي من "كوما" انهيار الشيوعية، لخوض معركة السيطرة على منطقة حيوية أخرى مجاورة لا تقل أهمية عن إقليم النفط العربي.

وليس سرا على الإطلاق أن الولايات المتحدة تعلق في هذه النقلة الاستراتيجية الكبيرة آمالا لا يستهان بها على ما تبادره من غزل مكشوف أو مستور تجاه إيران بعد أن فشلت تركيا في تحقيق ما سعت إليه من دور في البلدان الإسلامية السوفييتية السابقة رغم اللغة المشتركة التي تربط بين أنقرة وعواصم تلك البلدان.

إن الولايات المتحدة تفضل السعي لاستعادة نفوذها في إيران الإسلامية التي تشكل جسرا بين إقليمي النفط المذكورين، على المشاركة مع روسيا أو الصين في مناطق تعتبر كل منهما أنها أحق بها من الولايات المتحدة عدوهما السابق، واللاحق بدون شك.

في إطار هذا الغزل بين واشنطن وطهران، سواء المنظور منه (رسالة خاتمي إلى الشعب الأمريكي، وجواب كلينتون بمناسبة عيد الفطر) أو نصف المنظور في الاجتماعات العديدة التي عقدتها لجنة أمريكية- إيرانية مشتركة لبحث التطورات في أفغانستان(!).. أو غير المنظور وكان من ملامحه تسخير أجهزة الإعلام الغربية في تسويق الحملة الانتخابية لمرشح الرئاسة الإيرانية المعتدل محمد خاتمي!! في إطار هذا الغزل كله ثمة من لا يستبعد بعض المقايضات الخطيرة، كأن تجري مقايضة جنوب لبنان بجنوب العراق.. أي بشكل أكثر صراحة أن توفر إيران بما لها من نفوذ لدى "حزب الله" خاصة وفي الجنوب اللبناني عامة الفرصة "لضبضبة" المقاومة الإسلامية هناك وتسهيل مرور صفقة "لبنان أولا" على حساب سورية، مقابل "التسليم" بدور إيراني في جنوب العراق بعيد الضربة الأمريكية المبيتة ضد القطر العراقي ومن خلال الاقتتال الداخلي الذي يشير الأمير حسن إلى أنها سوف تشعله هناك.!!

وهناك من يقول إن تصفية ظاهرة "الطفيلي" على أيدي الجيش اللبناني، هي "بروفة" عما سيحدث لاحقا لحزب الله كله..

إنه سيناريو خطير وبالغ التشاؤم.. خاصة إذا ما أضفنا إليه بعض الأحاديث الدائرة في الكواليس عن حصة هاشمية- أردنية في العراق المجزأ تتيح الفرصة لتوسيع الأردن بهدف تمكينه من استيعاب "الفائض الفلسطيني" عن الحدود الضيقة للتسوية، والتي تزداد ضيقا يوما بعد يوم "بفضل" سياسة نتنياهو ورعاية الولايات المتحدة لتلك السياسة.

نعم إنه سيناريو خطير وبالغ التشاؤم ولا يأخذ بالحسبان موقف شعوب المنطقة وطاقاتها.. ذلك لأن أصحاب هذا السيناريو لا يمكن أن يجدوا فترة أكثر مناسبة لتحقيقه من هذه الفترة التي بلغ فيها الوضع العربي أدنى درجات التردي، وباتت تظهر عليه في بعض المواضع أمارات الاستفاقة، فلا يعود تحقيق سيناريو الشر هذا ممكنا بعد ذلك!!  

تنويه: المقال منشور كذلك في كتاب "تدمير سورية" الصادر عن دار نون4 في نيسان 2014.

  

الاستثمار العقاري (سنغافورا نموذجا")
أولويات إعادة الإعمار في دول ما بعد النزاع
تركيا والسعودية تدفعان باتجاه إنشاء ممر بري تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا
محافظة بابل وتلكؤ إنجاز المشاريع الخدمية
في شؤون الاستثمار وشجونه
ملاحظة صغيرة على هامش مشاريع الاستثمار السعودية السورية
مفهوم التمويل الصغير وأسباب فشله في سوريا
"تعزيز الوعي الخاص بالسلامة والصحة المهنية".. ورشة عمل في مقر غرفة صناعة دمشق وريفها
غرفة صناعة دمشق وريفها تنهي دورة خاصة بآلات التريكو
حل مشكلة المشاريع المتعثرة من أولويات النهوض الاقتصادي
الأوقاف السورية تفسخ عقد استثمار مجمع يلبغا بدمشق
النقل السورية تناقش المشاريع المشتركة مع تركيا
شركة ألبان حمص تعيد العمل بخط تغليف جبنة “القشقوان” بعد تأهيله
بعد سقوط الأسد.. الاستثمار في سوريا.. الفرص والتحديات
الرسوم الجمركية وضرورة دعم المستثمرين ضمن لقاء لوزارة التجارة ‏الداخلية مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة طرطوس ‏