لطفي السومي: الحملة المشبوهة - هدم أركان الأمة والانتماء- الحلقة الخامسة
2020.10.09
ليس لدي أدنى شك في ان كافة الحروب القديمة والحديثة تحتوي على كم هائل من الدمار والقتل، ولكن ما يثير الشكوك هو ان مجموعة من المحترفين والهواة قد بدأوا يركزون على اغلب رموز التاريخ العربي القديم والحديث، ضمن قيم لا تمت للعصر الذي حصلت فيه هذه الأحداث التي يتعرضون لها، بل انهم يركزون على السلبيات مع إهمال متعمد لكافة الايجابيات.
وإنني أودّ ان ابين سلفا ان التاريخ غير مقدس، ويجب ان نحاول اعادة دراسته بصورة موضوعية، ولكن ذلك يختلف عن النبش المتعمد والذي يصل الى درجة التلفيق، عن الظواهر السلبية مع تطبيق الشرائع المثالية المعاصرة والتي يتجاوزها الأقوياء في زماننا كما حدث في العراق وسورية وليبيا واليمن بالاضافة الى الجرح النازف منذ عشرات السنين في فلسطين.
سأتناول في هذه الدراسة الأمثلة المتعلقة بالقادة الذين يجري التركيز عليهم وبصورة خاصة: خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص، وصلاح الدين الأيوبي.
1. خالد بن الوليد: لعل خالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي هما الرمزان الأهم في التاريخ الحربي العربي، وكان من الطبيعي ان يكون الاستهداف موجها الى هذين القائدين بصورة رئيسية، وان يتناول اخرين من أمثال عمرو بن العاص، وعقبة بن نافع وموسى بن نصير وطارق بن زياد وغيرهم الا انني سأقصر تناولي على الثلاثة الأوائل: خالد وصلاح الدين وعمرو. برز خالد بن الوليد كشخصية عسكرية مهمة منذ ما قبل الاسلام، وذلك في معركة أحد، كما تكرس دوره حينما أنقذ جيش المسلمين في معركة مؤته، بعد ان قتل القادة الثلاث الذين عينهم النبي محمد والذي سماه "سيف الله المسلول". وكانت المرحلة الثانية هي حروب الردة بعد موت النبي وتولي ابي بكر الصديق وذلك في قتاله لكل من بني حنيفة وبني تميم وهما من أقوى قبائل العرب. ولكن عظمته العسكرية كقائد عسكري من طراز عالمي قد تجلت في حروب الفرس والروم، فلقد خاض الكثير من المعارك في العراق من مثل: ذات السلاسل، المذار، الولجة، الأنبار، وعين تمر ثم دومة الجندل فاجنادين في فلسطين، وطبقة فحل في الاْردن، وتوج تاريخه الحربي بأهم معاركه وهي معركة اليرموك، التي كانت المعركة الحاسمة في احتلال بلاد الشام. وأما ما أخذ عليه فهو ١) قتل شيخ قبيلة تميم، مالك بن نويرة والزواج من زوجته فائقة الجمال ليلى بنت المنهال، وفي موقعة اخرى في العراق فلقد قتل أعدادا كبيرة من الأسرى بعد استسلام مدينة "أليس" في العراق، وثالثة التجاوزات تمثلت في قتله لإعداد من سكان باب شرقي في دمشق بعد ان فتحوا الأبواب على اثر مصالحة عقدت في باب الجابية مع ابي عبيدة دون معرفة خالد بذلك واستمر في القتال حتى جاء ابو عبيدة وأوقفه عن الاستمرار في القتال. لم تمر هذه ألحوا ث في حينها بدون انتقاد ، فلقد طلب عمر بن الخطاب من ابي بكر ان يقتل خالد بدم مالك بن نويرة، الا ان أباً بكر قد اجابه قائلا: كيف اخمد سيفا سلًه الله على الكفار. واكتفى عمر بن الخطاب بعزل خالد بن الوليد عن القيادة بعد ان اصبح خليفة، قبل معركة اليرموك الا انه يقال ان خالد قد انتظر نهاية المعركة لينفذ الامر..
لا بد من الإقرار بأن هذه المثالب قد حصلت فعلا، وان اي دارس للتاريخ لا بد ان ينتقدها ويؤشر الى جانبها السلبي، ولكننا لو اطلعنا على تاريخ حروب ذلك الزمن او حتى الحروب الحديثة لوجدنا تجاوزات وجرائم تهون عندها مثل هذه الارتكابات، دون ان ان نصل الى مستوى اعفاء مرتكبها من الادانة خاصة وانه لم يكن مجرد قائد عسكري في حرب عادية بل انه يقود جيشا من المفروض انه جاء لنشر رسالة دينية. ولكنني اشعر من خلال بعض الانتقادات انها تحمل في خلفيتها ردود فعل سلبي.
2. على دخول الجيوش العربية الى سورية والعراق وكأنهما لم تكونا ذوات طابع عربي قبل دخول الاسلام فلقد شهدت كل من سورية والعراق تواجدا فاعلا قبل الاسلام وكان كل من الغساسنة والمناذرة هم حكام سورية والعراق ولكنهما كانتا تحت الهيمنة البيزنطية والفارسية ، ولقد حرر العرب سورية والعراق من الهيمنة الأجنبية ، والتي وان كانت مسيحية في سورية الا انها قد اضطهدت الكنيسة المشرقية ممثلة بالكنيسة الأنطاكية السريانية وخاصة في مرحلتي آريوس ويعقوب البرادعي والذين خالفوا التوجه الرسمي للكنيسة البيزنطية.
٢) عمرو بن العاص: اننا سنقصر الجزء المتعلق بعمرو بن العاص على موضوع حريق مكتبة الاسكندرية، لانه لم يؤخذ عليه أمور اخرى، وقصة هذا الحريق التي رواها عدد من المؤرخين العرب وأغلبهم قد نقل عن أقدمهم وهو القفظي، اذ يذكر ان عمرو بن العاص حينما احتل الاسكندرية قد وجد بها مكتبة ضخمة لم يستطع ان يقرر ماذا يفعل بها، وانه قد ارسل يسال عمر بن الخطاب عن كيفية التصرف بعد ان عرض له أمر المكتبة، ويروى ان عمر بن الخطاب قد اجابه بما يلي: اذا كان ما فيها يوافق كتاب الله ففي كتاب الله غنًى عنه، واذا كان ما فيها يخالف كتاب الله فلا حاجة لنا به".
طبعا يستطيع من يريد الدفاع ان يرفض حصول هذه الحادثة، ولكنني أميل الى تاكيد حصولها منطلقا من ان العرب لم يكن لهم علاقة بالثقافة والعلوم في تلك المرحلة، وربما كان عمر بن الخطاب يعتبر الآية التي تقول (وما فرطنا في الكتاب من شئ) دليلا ان القران قد حوى علوم الاولين والاخرين، فلم يكن لدى يهود ومسيحيي الحجاز غير كتبهم الدينية ولا نستطيع ان نتصور عمر بن الخطاب يعرف غير ما يعرف أهل الحجاز، وبالتالي فإنني وان كنت اعتبر ان هذا الحريق قد أودى بكنز معرفي هائل، الا ان ذلك يُبين عقلية من أقروا العمل ولكنه لا يدينهم من الناحية الاخلاقية. اما عن مكتبة الاسكندرية فلقد أسست في العهد البطلمي ويقال انها احتوت على ٧٠٠ الف كتاب في شتى حقول المعرفة البيزنطية واليونانية والمصرية، ولقد تعرضت للحريق الاول في العام ٤٨ ق م اثناء حرب يوليوس قيصر مع بطليموس شقيق كليوبترا، وتعرضت للحريق الثاني في القرن الرابع الميلادي بعد ان جرى تبني الديانة المسيحية فقام العوام من المسيحيين بقتل وسحل اهم فيلسوفة في ذلك الوقت وهي هيباتيا ، كما قاموا بحرق مكتبة الاسكندرية التي كانت تمثل الفلسفة الوثنية باعتقاد الدهماء، وتم حريق عمرو بن العاص عام ٦٤٠ م. وأما سوء النية ل و المنتقدين فانه يتبين بسبب التركيز على الحريق الثالث دون اي إشارة الى الحرائق السابقة. واذا كان القصد هو إثبات تخلف العرب بالمقارنة بسكان البلاد التي احتلها العرب، فاته لا جدال في ذلك
لقد احتاج العرب لثلاثة قرون لكي يصبحوا في قمة الشعوب المتحضرة في حواضرهم ، دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة وغيرها من االحواضر المهمة.
انتظرونا في الحلقة السادسة غدا، والمتعلقة بالرمز التاريخي صلاح الدين الأيوبي.
