احسان عبيد: للحضارة لمسات
عندما كنتُ في الولايات المتحدة – ميرلاند – عاد أخي المهندس نصري إلى البيت حوالي الساعة 9 صباحا، والمفروض أن يكون في عمله، لكنه كان مختلف الملامح.. لقد قطعتْ إحداهن إشارة المرور وضربتْ سيارته.
.
على الفور جاءه بعض الموجودين، فأعطوه بطاقات بأسمائهم معربين عن استعدادهم للشهادة في المحكمة إذا اقتضى الأمر، فيما وصلت إليه واحدة تقول له: خذ هذه البطاقة، أنا أشتغل في مكتب محام مختص بهذه الأمور، اتصل به لو احتجت.. "بزنس".
.
وخلال دقائق جاءت الإسعاف وورشة الميكانيك (لعل أحدا عالق ويحتاج لنشر الأبواب) وسيارة الإطفاء المختصة بالحريق وشفط وتنظيف الزيوت والزجاج المتناثر على الإسفلت حرصا على أمن السيارات مع رافعة لإزاحة السيارات المعطوبة.
.
اتصل نصري بالمحامي ليوكله، فقال المحامي: ابق في مكانك ولا تخرج أبدا أنا سآتي إليك خلال دقائق، ولن آخذ منك أتعابي لأنها على حساب شركة التأمين.. وفعلا جاء.. ووقع بعضا من الأوراق.. وطلب منه فحصا طبيا على حساب شركة التأمين، كما طلب له من شركة التأمين سيارة لتنقلاته طيلة فترة غياب سيارته، ليست أقل مستوى من سيارته، ورفع دعوى عطل وضرر لما أصاب سيارة أخي من عطب، كما طالب بالتعويض المادي عن الضرر النفسي الذي لحق به من الرعب والخوف أثناء الحادث، وانعكاس ذلك على عمله الذي قد يُفصل منه.
.
بعد انتهاء سيارة نصري من التصليح، جاءته رسالة من الكراج تقول:
- نشكرك لأنك اخترت كراجنا.
- لقد استغرقت سيارتك كذا ساعة عمل، وسعر الساعة كذا دولار، ولقد غيّرنا فيها القطع التالية، وبلغ إجمالي الكلفة كذا.
.
- لطفا وليس جبرا أن تجيب على الأسئلة المرفقة في ورقة مفصلة لكي تطوى على شكل مغلف وعليها طابع كي لا تخسر ثمن الطابع.
.
- تقول الأسئلة:
.
• كيف كان استقبالنا لك في الكراج؟
• هل تعتقد أنك مظلوم في الأجرة.
• لو خربت سيارتك مرة أخرى، هل ستأتي إلينا؟
• هل لك أية ملاحظة أو شكوى.
أجاب نصري على الأسئلة ثم كتب رسالة شَكرَ فيها أحد العاملين.
.
بعد كم يوم جاء هاتف من ذلك العامل يشكر فيه نصري ويخبره أنه استلم مكافأة بسبب رسالته، ونال ترقية، وأنه وضع رسالة نصري داخل إطار وعلقها خلفه على الجدار.
.
إلى هنا انتهت حكاية سيارة نصري.
.
أما أنا فقد كنت أبدل زيتا لسيارتي هنا في الكويت.. في محل لواحد سوري جارنا بالمحافظة، وكان يزوره ميكانيكي ابن بلدته.. قال: من كم يوم جاني واحد بدوي معه سيارة وانيت (بيك آب)، وقال لي: في صوت تحت السيارة.. قمت طميت لاقيت كرتونة عالقة.. قلت للبدوي: ارجع لي بعد ساعتين.. قمت سحبت الكرتونة وقلت له: كلفت السيارة 50 دينار.. أي أكثر من 150 دولارا.. لا ضمير ولا وجدان.
.
اللمسات الحضارية سلوك وتربية وبزنس واعِ ومسؤول.. لكنها لاتُباع في الصيدليات.
