احسان عبيد: جرح راعف
كنا في البيت القديم.. وبرد الشتاء قارسٍ ولاسع، فتحت زوجتي الباب بالصدفة، فوجدت على الدرج فتاة وأخاها من أولاد الحارة ونحن نعرفهما معرفة بعيدة ولم ندخل بيت أهلهم.. هي في الـ 14 من العمر، وأخوها في الـ 11 منه.. يلبسان ثيابا رقيقة وكانت السماء تهب وتكب حبالا من المطر، والريح تصفع دنقا، فعلمتْ أنهما لائذان ينتظران انقطاع المازوخ حتى يستأنفا مشوارهما إلى البيت، ولم يكن بعيدا، وكان مع كل منهما حقيبة مدرسية مهترئة.
.
طلبتْ منهما بإلحاح الدخول إلى جانب المدفأة، فاستجابا، وكان الطبخ جاهزا، فأكلا بنهم واضح، ومن حديث إلى حديث علمنا أنهما ينتظران يوميا في البرد على درج بيتهم أكثر من ساعة ونصف حتى تأتي زوجة أبيهما من شغلها – هذا إذا لم تتأخر وتتسكع هنا وهناك -، وأن غداءهما اليومي هو لبن مزنكل بدون زيت، وقد تقلي لهما زوجة الأب كل أسبوعين بيضتين، مما يفسر شوقهما لأكل الطبخ بنهم.
.
طلبت زوجتي منهما بإصرار أن يأتيا إلينا يوميا حال فراغهما من المدرسة، فوافقا ولبيا الطلب وكنا فرحين بذلك، ومع الأيام عرفنا من صدف الحديث معلومات يشيب لها شعر الأطفال.. فإضافة للضرب على الطالع والنازل من الأب وزوجته لأتفه الأسباب، كانت لهما غرفة، ومحتوياتها طراحة رقيقة فوق حصيرة من القش، ولحاف بدون ملحفة، يلتفان به من البرد أيام العطلة وبعد الدوام لعدم وجود مدفأة، كما أنهما محرومان من دخول غرفة الأب وزوجته.
.
مضى فصل الشتاء وجزءا من الربيع وهما يلفيان إلى بيتنا يوميا وكنا نتفقد مصروفهما وطلباتهما المدرسية.. وذات يوم سمعنا جرس الباب يرن بإلحاح مع طرق شديد.. فتحتُ الباب وجدتُ البنت ووجهها مخطوف الملامح.. قالت دخلك ياعمي.. أبي يريد أن يزوجني زويجي إلى بائع خضرة أولاده أكبر مني، وأنا هربت من البيت والرجل موجود عندنا.. أدخلتها وهدأت من روعها، وبعد قليل لحق بها أخوها.
.
ساعة من الزمن وإذا بأبيها يقرع الباب مطالبا بابنته.. قلت له: لن تأخذها إلا على جثتي، وبعد ملاسنة غادر مهددا إياي بالشرطة، وأنا أعرف أن القانون معه.
.
اهتديت إلى فكرة. كنت أسمع عن عضو فاعل ونشيط وذمته عامرة، يعمل في إدارة بيت اليتيم.. ذهبت إليه وقلت له: قد أطلب منك طلبا ربما يكون ضد قوانينكم، ولكن إنسانيكم قد تقف إلى جانبي.. أخبرته قصة الولدين، وأنهيتها ببيتين من الشعر أحفظهما:
.
ليس اليتيم من انتهى أبواه من || همّ الحياة وخلّفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له || أماً تخلت أو أبا مشغولا
.
وللحقيقية فإن الرجل تأثر، وقال: ابشر.. طالما أن سيارتك معك، أجلب البنت وأخاها إلى المأوى، وسنعمل لهما ملفين خاصين بهما، وسنحسم من دخل الأب (متقاعد ويبيع خضرة) ما يساعد على مصروفهما عندنا، ولن يستلمهما بعد الآن.. عدت إلى البيت، أقنعت الولدين.. وهذا ما حصل.
.
كنت أسأل عنهما بين الحين والآخر قبل مغادرتي سورية، وعلمت فيما بعد (ربما 3 سنوات) أن البنت تزوجت رقيبا يمت بصلة قرابة لأمها المطلقة منذ زمن.
.
لقد شكلت هذه الواقعة جرحا إنسانيا ناطفا راعفا، وأنا واثق أن المبادرات الإنسانية لن تفوت الأخوة القراء لو صادفوا حالات مشابهة، فكلكم أهل للشهامة والنخوة.
