813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

احسان عبيد: وحام

• في شارع الشعراني انتبه لحام (جزار) ذكي، إلى امرأة ربما في أواخر العشرينات من العمر، تبدو عليها الملامح القروية، وتشير ملابسها إلى وضعها المادي المتدني.. كان ذلك زمان، وربما كان سعر كيلو اللحمة حوالي 5 ليرات. 

كانت المرأة تروح وتعود من باب المحل ربما أكثر من 3 مرات متتابعة، وهي تنظر إلى الذبيحة المعلقة، ثم استدارت وأخذت تفك صرة صغيرة وتعد ما بها من فلوس.. قالت للحام: بيطلع لي بـ 3 فرنكات لحمة؟
.
استدرك فورا، وعلم أنها تتوحم وقال: معلوم بيطلعلك.. طبعا بيطلعلك.. تعالي قولي من وين بدّك؟.. اقتربت.. قالت: من هنا.. فشطب بسكينه ملء كفه وقال: بما أنك أول مرّة تشترين من عندنا فلن نأخذ منك ثمنا.. هذه هي سياسة المحل، سأضعها في ورقة.. قالت: بدون ورقة.. كثّر خيرك.. تناولتها، واستدارت تنهش بها قبل أن تخرج من المحل.
.
• أستاذ مدرسة كان عائدا إلى بيته يحمل أكياسا ورقية فيها خضرة، ولكن كيسا كان يبدو مملوءا على الآخر بالقثاء العجّور، وأثناء مروره بزواريب الحارات شاهد امرأة يعرفها معرفة سطحية تنظر إلى الكيس بعين لا تكلّ.. لم يفكر بأنها تتوحم بل قال لها: حرام عليكي إذا ما أخذت كم مقثاية.. إن يديّ مشغولتان بحمل الأكياس.. ابتسمت وقالت: راح آخذ منشان الحرام.. ولقد أصر على إعطائها 4 حبات قثاء من أصل 2 كغ.. بعد مدة، قالت له أخته : لكم تدعو لك أم فلان لأنك أعطيت ابنتها الوحمانة مقثا.. قال: والله لم أدر أنها تتوحم.. ولكنه كان تصرفا عفويا.
.
• كنت كلما نزلت على الشام لزيارة أهل زوجتي، كان يوصيني أحد الأصدقاء المدللين بجلب كروز دخان تهريب أو أكثر لأنه بالشام أرخص، وكان دخان الحمراء شبه مقطوع أيضا.. وفي دكان معتم قليلا لا شباك له في ركن الدين، كانت تتواجد 3 نسوة شاميات.. اشتريت الدخان، وتذكرت كلام امرأة جارة لنا حيث قالت: إن أختها تتوحم على الحلاوة، وفي كافة محلات السويداء لم يجدوا هذه المادة (لقد مرت فترة حصار خانقة على سورية في زمن الرئيس حافظ الأسد احتجاجا على سياسته في لبنان حتى أن المحارم الورقية كانت تأتي تهريبا).. قلت: 
.
- يا أخي عندك حلاوة لامرأة تتوحم؟ 
- قال: لا والله.. إذا بدك نوصي لك على لبنان.
- قلت: بعد كم يوم تأتي الحلاوة؟
- قال: حوالي اسبوع.. 
- قلت أنا ماشي بعد بكرة.. 
- قالت إحدى النساء: خالي أنا عندي علبة مفتوحة بس مو خالصة.. هايو بيتي هون.. أريب كتير، الله يرضى عليك لاتمشي منشان ما تروّح علينا الحسنة.. هيدي وحماني وحسنتها بألف.. غابت المرأة 5 دقائق وجلبت معها نصف علبة حلاوة فأخذتها شاكرا بعد أن رفضت رفضا أن تأخذ ثمنها.
.
• هنا عندي ملاحظتان.
الأولى: ليتنا جميعا أن نكون فطنين، ونتنبه لحالات كهذه.. إنها لا تتعلق بالكرم والبخل، بقدر ما تتعلق بالذكاء وفهم الحالة الإنسانية.
.
الثانية: أنا عاشرت أقواما من مجتمعات شرقية (دول الاتحاد السوفييتي السابق) وغربية (أوروبية وأمريكية)، ولي أصدقاء أيضا عاشوا هناك وتزوجوا وبعضهم مازال، لكنني لم أسمع عمدا أو بالصدفة عن حالة الوحام هذه.. إنهم يعزون الدوخة واللعي والانفعال من الروائح إلى حالات فزيولوجية بحتة.. هذه فهمناها...
.
لكنني لم أسمع عن تطرف الوحام بالأكل والشرب كما يحصل عندنا:
.
- اشتهاء أكل التراب 
- اشتهاء شرب الديتول 
- اشتهاء أكل الصابون
.
شو هذا.. معقول؟