جُل الأحيان الثالثة أضمن
مصطفى منيغ - فينكس
التفكير في الهجرة لم ينطلق عندي كرغبة في الفرار من التملص عن اتخاذ أي قرار سياسي رأيتُهُ ساعتها حَلاً مقْنِعاً لشباب جيلي ، يُعيدُ لهم الحق في التمتع داخل شمال المغرب كما يتمتع به (ولو جزئيا) رفاقهم في الجنوب، وإنما كان لضرورة تحصيل علم الحياة الاجتماعية على الطبيعة، حيثُ الإنسان، انطلاقاً من النقطة الحدودية الشهيرة "هَنْدَايَهْ"، الكائنة بين شمال اسبانيا وجنوب فرنسا يحيا كإنسان، في مدينة كل مسؤوليها أكفاء، أو داخل قرية منظمة بسكانها النجباء، وليس في مدينة يتيمة تئن من تصرفات مَن هم على التدبير المنصف دخلاء، أو قرية أهلها (جورا) كلهم بسطاء، التحصيل وبالتفصيل المُمِلِّ، للخروج بدرجة علمية ممنوحة في الهواء الطلق من طرف ذاك المجتمع الإنساني المتكامل الأخذ و العطاء، لترسيخ أسلوب النماء، التلقائي القائم على التضامن كقاعدة عامة أفرزتها التربية العلمية المُحِقَّة في برامجها الهادفة إلى تأسيس مجتمع يتحمل مسؤولية تطوير نفسه بنفسه نحو الأفضل ثم الأفضل من الأفضل، وفق استفادة عميقة مما عايشه جيل سابق كادت ويلات الحروب تقضي على وجوده.
توجَّهتُ (إتماما للمقال السابق المخصَّص لنفس الموضوع) إلى مكتب الدكتور "بَاوْسْ" المحامي المستشار في وزارة العدل الهولنديةآنذاك، طارحاً عليه فكرة تأسيس جمعية تُعني بشؤون المهاجرين المغاربة، مقترحاًعليه في نفس الوقت أن تحمل اسم جمعية الصداقة المغربية الهولنديةللمهاجرين المغاربة في أُطْرِيخْتْ. لم يستحسن الفكرة فحسب بل هيأ لها (من تلكاللحظة) كل أسباب النجاح بجعل نفسه مشاركاً مباشراً في تسيير شؤونها الإدارية بالدرجة الأولى وبهذا لم يمر أسبوع واحد إلا والجمعية قد أصبحتواقعا ملموسا، وملجأً آمناً للإخوة المغاربة الوافدين على تلك المدينةالجميلة، القاصدين خدماتها، المدينةالتي أكن لها شخصيا المحبة والتقدير لأسباب سأصل إلى شرحها مستقبلا . قانون الجمعية حررته بنفسي جاعلا منهمواكبا على تشخيص ما نود الوصول إليه كمغاربة بقَالَبٍ مغربي صرف يضمن لنااستقلالية القرار والسير وفق ثوابت لا يمكن تجاوزها تُبِقي على الصداقةالمغربية الهولندية وتنميها بما هو كفيل بخلق تعاون ايجابي ثنائي حقيقي في كلالمجالات، حتى يكون دور الجمعية مكملا لكل رغبة مماثلة للجانب الهولنديوغير معاكس لها. الدكتور باوس وهو رجل قانون أدركَ أن الفكرة بتطبيقها كمايجب ستُعَدُّ لبنة أولى تتأسَّسُ عليها ما يفتح المجال لتقارب الحضارتين الهولندية والعربية عموماً، وما يسد حاليا الخصاص بهذا الأسلوب الراقي المشجعلمبادرة عقد حوار صريح ونزيه بين ثقافتين تهدفان (لدى أصحاب النيات الحسنة)الاقتباس المتبادل مما تتفقان أنه الحل الأمثل للتعمق في معرفة كل طرفللطرف الثاني معرفة تضمن نشر التسامح والإخاء والأمن والسلام، لذا لم يُعَيِّب مصارحتي بوجود آنسة هولندية تتقن اللغة الإسبانية(مثلي) من الأفضلضمها إلى الجمعية حتى لا أجد أية صعوبة في طرح ما أود طرحه مُترجَماً (الترجمةالجيدة) إلى اللغة "الندرلندية"، لم تمر سوي لحظات على موافقتي كرئيسللجمعية، إذ بعد دقيقتين من مهاتفته المعنية بالأمر، أطلت علينا الآنسة "ليدوين"، التي لا زال محياها يداعب ذكرياتي بأدق التفاصيل حتى الحين،نحيفة بعض الشيء لكن في تناغم مع قدها المتوسط الطول، شقراء الشعر،بيضاء البشرة، خضراء العينين، بثغر لا يكف عن الابتسام، أنثى بمعنىالكلمة، لا أقولها بعقلية شاب أعزب وافد من شمال إفريقيا العربي الأمازيغي، يحياتقاليد، المرأة داخلها، عالم مغلق لا يَلِجُهُ إلا الراغب في إتمام نصفدينه، وإنما بعقل إنسان احترم المرأة في كل مكان وزمان، ومع هذا الاحتراميود العثور على إنسانة تشاركه مطامح مسير على درب الحياة بهدوء وسكينةوراحة بال، وانسجام لا يعكر صفوه أي عارض في أي لحظة من لحظات البقاء علىقيد الحياة. وبالرغم من المقام المهيأ كان لمثل الشروع في تخطيط ترابط لايترك للصدفة سبيلا للانصراف دون استغلالها الاستغلال الشريف، ظل الاهتمامبإنجاح أعمال الجمعية والخروج بها للوجود، المسيطر الأكبر. وللتاريخ أقول: "لدوين" كان لها الفضل بعد الصديق الدكتور "باوس" في وقوف الجمعية علىقدمين قويتين، حتى الأصدقاء الذين سعيتُ ليتم ضمهم للجمعية المذكورة: ومنهممحمد التطواني، ومحمد الزوين، والصغير السلاوي، ومحمد منيصر، ومصطفىالبرابش، والعناية، وعشرات آخرين، وعلى رأسهم الصديق العزيز محمي سليمان حتى هؤلاء في مقدور الذين لا زال منهم حي يُرزق، التأكيد على ذلك .
... تعلمت اللغة الهولندية بقدر حاجتي لاستعمالها ، بواسطة رفيقتي في أطريخت " لدوين " ، بل ازدادت خبرتي في التعامل مع عقلية أهالي البلدالنظيف الجميل المنظم الساحر المحترم لأقصى الحدود بمصاحبةنفس الإنسانة الشريفة "لدوين " ، وكلما مرت الأيام أدركتُ كم دور المرأة الهولندية أساسي فيالمجتمع من حيث تنظيم الأسرة ، ذاك التنظيم الرائع المختلف ساعتها ونفس التنظيم عندنا اختلافالليل عن النهار ، فهي القائدة المطلقة لكل الترتيبات الحياتية ، والمخططةالأهم للوصول بالسفينة الأسرية إلى شط النجاة المفعم بالراحة و الطيبوبة والنبل والسعادة فالتقاعد المريح آخر المطاف بعد قطعالمحطات المحسوبة بأربع أو خمس عقود بطول عمر شاءه الله سبحانهوتعالى لكل إنسان من خلقه . كانت " لدوين " شابة رائعة من أسرة محافظةعريقة ، والدها اشتغلبسلك الدبلوماسية ، حيث عينته مملكته الهولنديةقنصلا لها بإحدى دول أمريكا اللاتينية ، وهناك تعلمت الصغيرة اللغةالإسبانيةتحدثا وكتابة . مرة دعتني ضيفا على بيتها ، لبَّيت بكل سرور ،فكانت المرة الأولى التي دخلتً فيها بيتا هولنديا لأشاهد عن كثب ذاك التنسيقالشامل كل محتوياته مُقرِّباً تناغم الألوان والأشكال في صورة تبرز ذوق صاحبةالبيت وأسلوب حياتها في التعامل مع المرئي الباعث في النفس راحةالانزواء التام يومي السبت والأحد لتجديد خلايا الإقبال على مستلزماتضرورية للإبقاء على نفس المستوى من العيش الطيب، و اجتهادات في العمل منالاثنين إلى الجمعة على امتداد قد يصل أحيانا 16 ساعة في اليوم. تذوقت منأطباق تفنَّنت المضيفة في تحضيرها على الطريقة الهولندية الفريدة المميزة الممتعة ، مهيأةوفق جو يومين قضيتهما هناك ، حيث ثلج " ديسمبر" يغطي كما تظهره شرفة البيتالرئيسية ذات الزجاج السميك المُغَطَّى "بالدنتيل" الأخضر الشفاف جنياتالطرقاتوسطوح الأبنية المشيدة وفق هندسة معمارية سائدة في شمال أوربا، قادرة على تحمل البرد القارص من جهة ، وثقل الثلج المتساقط عليها بكثافة ، أثناء مراحل معينة من فصل الشتاء من جهة ثانية، أطباق تعلوها دهون خفيفةتفرزها شرائح لحم البقر المصاحبة بخضر متنوعة الأشكال مرصعة بقطع الجبنالهولندي الأصيل القادم من مدينة "أَلْكْمَار" ، وما زاد من شاعرية المقام انبعاثصدى خافت من آلة تسجيل تعيد ما تصدح به أغاني جنوب أمركا من معانيالرقة في طرب بريء تطبع المساحة برومانسية لم تكن مألوفة بالمباشر عند شابفي العشرينات من عمره وافد من شمال إفريقيا العربي الأمازيغي تربى التربية المحافظة ،ومع ذلك حافظ هذا الشاب على كيانه ليرقى مع ضميره بالتصرف المتحضر إلى منصبيشغله عن جدارة واستحقاقكرئيس لجمعية أصلها مغربي صرف ومقامها المملكةالهولندية الموقرة ، الداعية إلى تعميق التعارف بين الطرفين تعارفا يبنيلمستقبل تعاون أساسه المودة والأمن والسلام . حقيقة فاتحتني العزيزة "لدوين" فيشأن الارتباط الرسمي بيننا ، لكنني تهربت في نبل وبأدب جم حتىلا اجرح عواطفها الرقيقة ، إذ قلبي وعقلي كانا مرتبطان مع طموح يؤخر الاهتمام بمثل الاستقرار الناتج عنه مسؤوليات لستُ مؤهلاً لتحملها على الوجه الأكمل في تلك الظروف بالذات التي اعتبرتها الخطوة ما قبل البداية ليس إلا ، الحقيقة إنها المرة الثانية التي تشرفتُ فيها بامرأة تطالب عن طيب خاطر مرافقتي سنة التمازج الطبيعي لتكوين أسرة والاستقرار في مكان معين ، ولطالما رددت لنفسي مع نفسي : في جل الأحيان، الثالثة ستكون لما أرغب فيه أضمن .
لم يكن المغرب قادراكما سبق الذكر لاستيعاب وتوظيف حماس الشباب مثلي في تحقيق نماء مطلوبوالمرحلة مرحلة بناء حقيقي لدولة عصرية بكل ما ترمز إليه الكلمة ، لأولوياتفرضت نفسها عليه ، تعلقت بترتيب النظام احتياجاته الأساسية لضمان استمراريةمريحة وإن اختلف العصرين (للراحلين محمد الخامس والحسن الثاني) ونمط الحكم فيهما ، المسألة لم تكن سهلة، خاصةوالأطماع (كما سُمِّيَت آنذاك) تكبر يوميا لنزع مكسب يضاف لمطالبة حزب كبيرمعارض (منذ نشأته) للمشاركة المباشرة فيتدبير الشأن العمومي تحت شعارالتقليل من دكتاتورية النظام ، وما تبع ذلك من اضطرابات وقلاقل ، حقيقةيصعب حصرها لكثرتها بما سببته من مآسي لأسر لازالت تعاني من ويلاتها . لايمكن حجب الحقائق عنا إلى الأبد ، كان المفروض أن يعلم الشعب المغربي فييوم لاحق (لم يصل بعد للأسف الشديد) من أخَّرَ مسيرته صوب التقدم ، ومَن تعمد أنيأتي الاستقلال خدمة لمصالح ضيقة لا أقل ولا أكثر، حينما رُبِط هذاالاستقلال بنقص فادح في بسط السيادة على مجموع التراب الوطني الموحد تعلقالأمر بالشمال أو الجنوب أو الشرق، ليظل المغرب يعاني والمغاربة حتىالساعة وهما يحاولان استرداد ما يكاد يضيع ، القضية لا تحتاج لذكاء حاد حتىنصل إلى الإجابة المقنعة . ومتى اتضحت الأمور إلى منوال لا يترك حتىالجزئيات دون شرح ومستفيض ، علمنا ما الهدف لتركنا دوما في الصف الثالث بدلالثاني ، ولما لا مع الأوائل؟؟؟.
كنت في شمال المغرب ساعتها وتحديدا في مدينة تطوان انهي تعليمي في المدرسةبوليتكنيكا (جابر بن حيان حاليا) دراستي الثانوية في قسم الباكلوريا حينماكان مديرها الأستاذ محمد الخطيب يساعده كحارس عام الجزائري السي قدور ،والأستاذ الجحرة ككاتب ، ومحمد المرابط ، والفقيه الصوردو كأستاذين فريدينوسط جماعة من الأساتذة الإسبان، إذ باستثناء الفلسفة التي كان يدرسنا إياهاالمرابط ( لا زال في نفس المدينة يشغل الكاتب العام المحلى لإحدى النقاباتالعمالية) بعد قدومه من مصر والتحاقه بنفس المؤسسة التعليمية ، واللغةالعربية التي كان يلقنها لنا الأستاذ المرحوم محمد الصوردو ، كل الموادالعلمية الأخرى يتم تحصيلها باللغة الإسبانية . بعد اجتيازي المرحلة التحقتبالمدرسة المحمدية للمهندسين لأسبوع واحد فقط، صراحة لم أتمكن مناستيعاب المحاضرات الملقاة علينا باللغة الفرنسية التي كنا نجهل حتىالميسور من مفرداتها ، خاصة ونحن القادمون من الشمال الذين قضينا عمرناالدراسي فيه باللغة الإسبانية لا غير ، اللهم ما تعلق ببدايتنا في الكُتَّاب ثممدرستي " الأهلية الحسنية " و " سيدي بو أحمد" ، و"ثانوية القصر الكبير" ،و"المعهد المحمدي" بذات المدينة ، حيث كانت العربية جزءا أساسيا فيالبرامج التعليمية المطبقة علينا ، ما عدا ذلك كانت الإسبانية هي العمودالفقري في تكويننا العلمي ، فاتفقت وستة من رفاقي الاتصال بوزير التعليموكان آنذاك السيد يوسف بلعباس الذي استقبلنا مُكرَها ، بعدها حصلت واقعة كانلها الأثر البليغ في مسرى حياتي السياسية خاصة ، إذ أدركتُ أن المغرب الرسمي،وخاصة في هذه المرحلة الانتقالية (كما كانت السياسة الرسمية تريد إقناعنابذلك لنمتص ما يُرتكب في حقنا من أخطاء وجسيمة) لن يعبأ بالشمال ، ومشاكلالشمال، وطموحات أبناء الشمال ،لانشغاله بجهة أخرى، التي كان عليَّ شخصياالانتظار أربعين سنة حتى أتمكن من معرفة مَن تكون ، وطبعا سأبينالأمر حالما أصل إليه بمشيئة الرحمن الحي القيوم لا إله إلا هو عليه توكلتُوإليه المصير.
(للمقال صلة)
