الطفل الداخلي
2021.02.06
راجعني منذ مدة، أحد المرضى إسعافيا، لتدهور حالته النفسية في الأسبوع الأخير. لم يستطع وصف ما يشعر به في الأيام الأخيرة بدقة، سوى أنه "محبط"، قالها وكأنه قد خاب أمله من شيء ما. لم يكن لديه أية فكرة في بداية الحديث، عن سبب هذا التدهور المفاجئ، ومع إلحاحي عليه للتذكر، ذكر أنه يعاني منذ أسابيع من ألم في الركبة، كان قد لازمه فترة في الماضي وعاد إليه لسبب غير معروف. في الأسبوع الماضي، تناول المريض كمية كبيرة من مسكنات الألم دون جدوى حقيقية. لكن قبل أن نكمل الحديث عن الألم كقادح ممكن لتدهور حالته الأخير، تذكر المريض، (٥٠ عاما)، أن حفل عيد ميلاده، كان قبل حوالي أسبوع، وعندما سألته عن سبب تذكره لذلك، أجاب بعد تردد أن أباه (رجل طاعن في السن)، حرمه هذه السنة، من مبلغ مالي، كان قد اعتاد على اعطائه إياه كهدية، كل سنة في ذلك اليوم.
السبب هو أن الأب كان قد استلم قبل أيام رسالة (عن طريق الخطأ، اذ كان يجب أن تصل إلى عنوان المريض)، مرسلة من محامي المريض، يطالبه فيها بتسديد ما عليه من ديون لقاء أتعابه، وقد علق المريض، أن الأب اعتقد أن ابنه سيدد المبلغ (وهو مبلغ متواضع نسبيا)، من النقود التي سيعطيها إياه كهدية عيد ميلاده. المريض لم يبد أي معارضة لقرار أبيه، الذي ربما لم ينتبه أصلا إلى انزعاج ابنه
قد تبدو القصة ساذجة، من منطلق كون الابن بالغ، راشد، ومتقدم في السن على أن ينزعج فعلا من تصرف كهذا، حتى لو كانت النقود المقدمة كهدية تقليدا عائليا قديما، كما وضح. فكيف لرجل عمره ٥٠ عاما، أن ينزعج أسبوعا كاملا (بل ربما مدة أطول)، ولا يستطيع أن يتجاوز هذا الموقف، لدرجة أنه يقوم بزيارة الطبيب وطلب المساعدة. طبعا يجب ألا نغفل، أن المريض يعاني من نوبات قلق واكتئاب مزمنة منذ سنوات، لكنه لا يعاني من أي مشاكل عقلية/استعرافية، أو تطورية، أي أن ذكاءه ضمن المجال الطبيعي. في واقع الحال، تكمن الأهمية الخاصة لتلك الحالة، في سذاجتها بالذات. فهي توضح تماما ماذا يقصد المعالجون النفسيون عندما يتحدثون عن "الطفل الداخلي".
الطفل الداخلي، هو استعارة نستخدمها للدلالة على الأجزاء من الذات، التي لاتزال وكأنها تعيش في الطفولة، دون وصولها إلى نضج ما. تلك الأجزاء التي توقفت في عمر معين عن النمو، نتيجة صدمة أو تعذر في التعلم والتفتح. كأن يمر الطفل الصغير بفترة صعبة (انفصال الأهل، موت أحد المقربين، انتقال مفاجئ في السكن، حرب الخ ...)، أو بسبب معاناة الأم أو الأب من اضطرابات عاطفية وبالتالي عدم قدرتهما على مساعدة الطفل خلال تربيته على تجاوز مرحلة عاطفية ما. فإذا اعتبرنا النضج، هو ملاءمة النفس والعواطف للحياة الاجتماعية للبالغين، ويعني عمليا على أرض الواقع، ليس فقط أن تكون "مسيطرا" على عواطفك، فتسمح بخروج بعضها، وتحبس الأخرى، بل يمتد مفهوم النضج، كما يُروّج له في الثقافة النفسية الشعبية، إلى أن لا تشعر أصلا، ببعض العواطف، وكأنما الأمر بيد المرء ألا يشعر بشعور ما من أساسه. في واقع الحال غالبا ما يحاول البالغون إخفاء مشاعرهم تلك، حتى على أنفسهم، أي نكرانها، وكأن لسان حاله : " أن المهم ما أعترف به وأكشفه عن ذاتي للمجتمع، وليس ما يحدث بداخلي حقا. فإذا صرحت بمشاعري "الناضجة" فقط، فسأبدو "ناضجا" بالغا، كما "يجب أن أكون"... ". أمثلة:
-
" لن أبدي حزني على ظلم طالني من رئيسي في العمل، فأنا رجل ناضج عليه تحمل أعباء الحياة"
-
"سأحاول كبت غيرتي من صديق بسبب علاماته الجيدة، وسأظهر له أن علاماته كلها لا تعنيني كي أبدو متوازنا ناضجا عاطفيا"،
-
" لن أعترف بخوفي من طلب حبيبي الزواج مني، فذلك قد يظهرني مترددة تائهة، لا تعرف ماذا تريد!!!
إن الانفصال الكامل بين الذات غير الناضجة (الطفل الداخلي)، وبين الأنا أو الايغو (الذي ينشد المصلحة والسلوك الموجه للحفاظ على النفس وبالتالي المكانة والسلطة والقوة)، يشكل الأرضية الأكثر انتشارا لمشاعر الغربة عن الذات، فإنكار ضعف الطفل الداخلي فينا، وسهولة انجراحيته بل وقطع الطريق أمام مشاعره، يعزله ويقطع أي اتصال معه، ويحول الأنا إلى دكتاتور متسلح بأيديولوجيا النضج (أي ما يحدد ما هو شعور ناضج وما هو شعور طفلي)، وأحيانا بتقييم المجتمع (عيب أن أشعر بهذا الشعور وأن أظهر ضعفي وقلقي الداخلي، ماذا سيقول الناس عني؟). إحدى علامات تلك الغربة الداخلية، هي فقدان الدهشة والاستمتاع والضحك الطفولي، وضعف قوة الخيال، وروح المغامرة.
من ناحية أخرى، لابد من القول، أن إنكار تلك المشاعر وتحجيم الذات لتتلاءم مع "النضج"، لا يلغي تلك المشاعر، بل يكبتها مؤقتا (تخباية تحت السجادة)، لتعود لتظهر في موقف مشابه لاحقا، وهذا يعني أنها لن تفهم ولن تفسر ولن يتم محاولة تجاوزها، وبالتالي لن يؤدي نكرانها، إلا إلى استمراريتها. ومع الوقت يمكن أن يتعذر أي تواصل مع "طفلك الداخلي"، ويصبح صوته ضعيفا جدا.
بالمقابل، لا يمكن تلبية كل رغبات الطفل الداخلي، ولا يمكن التماهي معه كليا، فتصبح مشاعره الانجراحية هي كل ما لدى المرء، و يصبح اتباعها أعمى وكأنها المصدر الوحيد لحقيقة الذات، فالاعتراف بتلك المشاعر ومحاولة فهمها، لا يعني التصرف مباشرة على أساسها، فان كنا نحاول تحقيق رغبات أطفالنا، حتى لو كانت غريبة غير مفهومة، إلا أننا بالطبع لا نحقق تلك الرغبات التي من الممكن ان تعرضهم للخطر، أو تؤذي مستقبلهم. بين هذين القطبين : الأول : الشخصية الناضجة البالغة الصالحة للحياة الاجتماعية، والثاني: الجزء الطفولي المجروح من الذات، شد وجذب، طغيان الأولى يهيئ لشخصية متصلبة، جامدة، مغتربة عن ذاتها، وطغيان الثاني، يعني في كثير من الأحيان الانجراف وراء عواطف سلبية والتصرف بشكل غير بناء أو مجدي. كما نستمع لرغبات أطفالنا، ونحققها لهم أحيانا ونحاول إفهامهم خطورة بعضها أحيانا أخرى، فبإمكاننا، أن نعيد انتاج العلاقة مع طفلنا الداخلي بحيث نصغي إليه (إلى أنفسنا)، ولا نهملها تحت وطأة الواقع، أو المجتمع أو السلطة أو القانون. وكما نمسك بأيديهم بالإصغاء والتفهم محاولين العبور بهم من مرحلة تطورية إلى أخرى، نستطيع أن نربي طفلنا الداخلي شيئا فشيئا، ونرضى بتغيراته بين الحين والآخر حتى لو كانت صغيرة.
مهيار الخشروم
طبيب ومعالج نفسي
بيلفلد- ألمانيا
