عبقُ الزّمن الجميل
فتياتُ الصّفِ الأوّل ثانوي يصغين إلى أستاذةِ التّدبيرِ المنزليِّ بشغفٍ وفضول.. تبدو الآنسةُ الشّابةُ ملفتةً بقامتها الهيفاءِ وقصّةِ شعرٍ فرنسيّةٍ تُلامس الأذنين.. وها هي ترتدي مريولاً أزرق اللون بلا أكمام فوق ملابسها وقد تزيّن الجيبان الكبيران أسفلَ الخصرِ بنمنماتٍ من تطريزها الجميل.. ولم يمضِ وقت طويل حتى طلبت مدرسة الرياضيات من زميلتها الودود سوريا أن تفصّل لها مريولاً وتطرّزه بيديها.
أحدث قدوم هذه المدرّسة إلى ثانوية البنات الرّسمية تغييراً في هيكلية البناء، فقد استطاعت معتمدةً على أفكارها البنّاءة أن تجهز غرفة التدبير المنزلي ذائعة الصيت في تلك الأيام.. وكما يحدث مع أصحاب الرؤى الخلاقة، والمشاريع البنّاءة فقد قوبلت من طالباتها بالتصفيق الذي يليق بها معوّضة به عن تعتيمٍ مقصود لعملها من جهة ادارية أعلى.
أُعطيت غرفةٌ واسعةٌ للمعلّمةِ تُشبهُ مستودعاً يأوي إليه كل ما نُبذ من أدوات موسيقية مهشّمةٍ، ومقاعد وكراسي مخلوعة، وملابس قديمة كانت تُرتدى في الاحتفالات الوطنيّة وكثير غيرها لا يحصى.. ضربت المعلمة أخماساً بأسداسٍ إزاءَ رفضِ الجهاتِ المعنيّةِ تقديمَ المبالغِ الماديّةِ لتجهيزِ هذهِ الغرفة.. ما العمل اذن؟ هل ستذعن إلى الواقعِ، وتكتفي بالجانبِ النّظريِّ في غرفةِ الصّفِّ؟ أيّة جدوى من غربتها أربعَ سنواتٍ في مصرَ الشّقيقة، ونيلِهَا شهادةً عاليةً من كليّة الاقتصادِ المنزليّ؟
استشارت مهندساً ورسّاماً معروفاً لوضع مخطّطٍ للعمل، وتجهيزِ قاعةٍ للتّطبيقِ العمليِّ للطالبات، ثم استأنست برأي مهندس ديكور آخر، وكان المبلغُ فلكيّاً في ذلك الزمان تجاوز ٢٥ ألفاً… وأخيراً لجأت إلى أخيها الأكبرِ أستاذِ الرّياضيّاتِ في نفس المدرسة، وكما في كلّ مرّةٍ لم يخذلها. تداولَ الأخوان وجهاتِ النّظرِ وقرّرا أن يقوما بالعمل المكلف بنفسيهما.
بعد أشهرٍ من توفير مرتّبها، وكان عالياً في ذلك الوقت بدا التّنفيذ، تكسيرُ حيطانٍ لتثبيتِ خزنٍ فيها، وضعُ طاولاتٍ رخاميّةٍ، مجلى كبير، مآخذُ متعدّدةٌ للماء، ثمّ طاولةٌ خشبيّة من الزّان المتين صُفّت حولها كراسي الخيزران العشرون التي اشترتها الآنسة سوريا، ودفعت ثمنَها من جيبها بمعدّل ٤٥ ل.س للكرسيّ الواحد.
وكانت تُرى وأخوها أستاذ الرياضيات مشغولين يقدّمان بكلّ طواعيّةٍ أدواتِ العملِ للعمّال المختصّين.. قد يتطلبُ إحضارُ الأواني المنزليّة والصّحون الأنيقة سفراً إلى حلب أو طرابلس، واذا استدعى المعرضُ السّنويّ إحضارَ كمّياتٍ من قماشِ الإيتامين فلا بدّ من أن تُولي وجهَها شطرَ بيروت.
مضى عامٌ كاملٌ من العمل المُجهدِ والتّحضيرِ لأدقّ التّفاصيل، واذا بغرفةِ التّدبير المنزليّ تبدو كعروسٍ بهيّةٍ فائقةِ الجمالِ، لا يُضاريها شبيهٌ على امتدادِ مساحةِ القطر.. ولم أكن أعرفُ أيّةَ تفاصيلٍ عن تفاني مدرّستنا وسخائها حتى قبل كتابةِ هذه السّطور بأيّام.
وبفضل تفاني معلّمتنا، وسخائها منقطعِ النّظيرِ نَعمت أجيالٌ متلاحقةٌ من طالباتِ ثانويةِ البناتِ الرّسميّةِ والتي كانت تضمُّ أيضاً طالبات الإعدادي، ثمّ لاحقاً صفوفاً لتأهيلِ المعلّمات بهذا المطبخِ الواسعِ النّظيف، المرتّبِ، والأنيقِ الدّافئِ والمُلهمِ، والذي يُضيفُ بحضورِ هذه الإنسانةِ المُبدعةِ معرفةً جديدةً في شتّى فنونِ التّفصيلِ والخياطةِ، والتّطريزِ، والطّبخِ بكلّ أشكالِهِ وأنواعه.. بل كانت لا تتورّعُ في إرشادِ طالباتِهَا في كلِّ تفصيلةٍ صغيرةٍ تتعلّقُ بالصّحةِ، والنّظافةِ، والتّوفيرِ، ورسمِ المُستقبل.
العبثُ بالوزنِ والمقاديرِ يُشبهُ التّخبطَ في كتابةِ وصفةٍ طبيّةٍ، فالنّتائجُ غيرُ محمودةٍ في الحالتين.
رائحةُ الطّعامِ الشّهيِّ تفوحُ في الأرجاءِ.. ها قد حُضّرَ اليومُ طبقُ المعكرونةِ المشويُّ في قالبِ الكيك.. يبدو المشهدُ غارقاً في الجمال.. طبقاتُ المعكرونةِ الممتزجةِ بالبيضِ تتناوبُ مع طبقاتِ الصّلصةِ الغنيّةِ باللّحمِ المفرومِ، وأخيراً تتغطّى الطّبقةُ العليا بالكعكِ المدقوقِ تماماً كما القاع.. زُيّنَ قالبُ المعكرونةِ بشرائحِ البندورةِ والبقدونسِ، واكتملت قيمتُهُ الغذائيّةُ مع صحنٍ من السّلطة.. الطّبقُ القادمُ روستو، بعدَها اسكالوب بانييه.
تتناوبُ الفتياتُ بمرايلهنَّ البيضِ خفقَ البيضِ بالأيدي لعدمِ وجودِ خفّاقةٍ كهربائيّةٍ، يحظّرُ الخفقُ بعد إضافةِ الطّحين.
لا بدَّ من ذكرِ كلِّ تفصيلةٍ تتعلّقُ بتحضيرِ طبقِ الحلويّات.. قمعُ الحلواني تُمسكه آنسةُ التّدبيرِ المنزليّ وقد سكبت بداخله بعضا من عجينةِ بلحِ الشّام.. مجموعةٌ من الطّالباتِ تشرفُ على القلي، وأخرى على تحضيرِ القطرِ الذي بردَ جيّداً ليطفئَ شوقَ بلحاتِ الشّامِ إلى تشرّبِ المادّةِ السُّكريّة.. في غرفةِ الصّفِ كانت الدّروسُ النّظريّةُ تشملُ مناحي المنزل؛ الغسيلَ، الكويَ، تنظيفَ الأحذية، إزالةَ البقعِ، تربيةَ الطّفلِ، ورسمَ باتروناتِ الخياطة لملابسِ الأطفال.
ما زلتُ أحتفظُ بدفترِ الخياطةِ الكبيرِ والمجلّدِ باللون الأسمرِ كما كانت تشتهيه معلّمتي، وأحياناً يطيبُ لي أن أتصفّحَ أوراقَهُ وأتلمّسَ دقّةِ العملِ وجمالَ الرّسمِ ثمّ ملاحظات معلّمتي الأثيرة بالقلم الأحمر والتي تُلامسُ شغافَ القلبِ وتهزّني هزاً، وربّما تستمطرُ الدّمعَ من عينيّ: ”دفتركِ صورةٌ عنكِ دونَ شرحٍ لهذهِ الكلمة"
معلّمةٌ في الصّفِ ورفيقةُ دربٍ إلى كافتيريا لتناولِ الكوكتيل، ولتتكفّلَ أبداً بالدّفعِ تحتَ ذريعةِ هي الأكبر.. بل ربّما أتلقّى منها هديّةً دون انتظارٍ منها لردٍّ مُماثل.
ما زلتُ أحتفظُ بمفرشِ الشّاي بلونهِ المُشبعِ بالصّفرةِ، وقد اختارت لي نقوشَهُ، ورسمتهَا بيديها، ولمْ يُسعفني الوقتُ آنذاكَ لأطرّزهُ فنابت عني ابنة أخي الأكبرِ رائدةُ التّطريزِ في محافظةِ حماة بعد عشرين عاماً.. هو الآن يرتاحُ على البيانو في زاويةِ الصّالون.
لوحةٌ أخرى من قماشِ الفاي الأسود تكلّفت بطبعِ رسومها الدّقيقة المتشابكةِ بيديها أيضاً، ولم أتمكّن من تطريزها إلّا بعد زمنٍ طويل.. وكم بدت جميلةً وفاتنةً بعدَ تأطيرها ببروازٍ فضيٍّ ولتبدو للنّاظرِ لوحةً مرسومةً بلونٍ واحدٍ هو الأبيض، ومطرّزةٍ بخيط د.م.ث رفيعٍ وبقطبةٍ واحدةٍ هي التّيج.
الآنسةُ سوريّا لطش مثالٌ لمدرّسةٍ لم ولن تتكرّر في مجتمعنا.. كفاءةٌ عاليةٌ، وضميرٌ حيٌّ، شرفُ المبدأِ والسّعيُ الحثيثُ لخلقِ حالةٍ متحضّرةٍ وراقيةٍ، وعلاقةٌ مع طالباتها سلسةٌ وسليمةٌ ومستمرّة.
قد أغيبُ عنها سنواتٍ طويلةً وعندما أهتفُ لها أحسُّ أنهّا تتشوّقُ سماعَ صوتي كما كانت منذ عقود.
في عيدِ المعلّمِ الميمونِ أتقدّمُ منكِ غاليتي بأحرِّ التّهاني القلبيّة، متمنيّةً لكِ دوامَ الصّحةِ والعافية، وأن تغمرَ السّعادةُ قلبكِ الطّيبَ إلى آخرِ عمرٍ مديدٍ…
اخترنا من صفحة الفيسبوك د. فكتوريا فائز سعود ١٨ آذار ٢٠٢١
